إنَّ تلك الأرواح ليست ذواتٍ ولا جواهِرَ تُحَسُّ وتُدْرَك بالسَّمع والبصر، والشَّمِّ والذَّوق، ولا يَعْلم أين هي إلاَّ ربُّها الذي نفَخها في الوجود، فلا يَقْدر عليها وعلى قبْضِها وإمساكها وإرسالِها إلاَّ الذي يَعْلم سِرَّها، ولو فرَضْنا المستحيل وأنَّها حُضِّرَت - كما يَزْعمون - من مقَرِّها في العذاب أو النَّعيم - وهذا مستحيل - لكان حضورها دليلاً على أنَّها ذاتٌ وجواهر، تلك الذَّوات والجواهر مهما لَطُفَت ودقَّتْ، فإنَّ مستحدَثات المَجاهر والمُكَبِّرات لا بُدَّ أن تَحُدَّها وتُحلِّلها، ويعرف النَّاظر فيها مادَّتَها وكْنُهَها، والذي يُلْتقَط له رسْمٌ وصورة أحْرَى أن يُرَى وتُعْرَف ماهيَّته وذرَّاتُه، ولو كان ذلك كذلك، لعَرَفوها وصنعوها، ونفخوها فيما يريدون أن يقيموا به آخِرَ دليل على إلْحادهم وكفرهم، وهُم جِدُّ حريصين على ذلك أشدَّ مِن حِرْصِهم على أيِّ شيء، لا أن يقتصروا بِها على تلك الشواذِّ والألاعيب الصِّبيانية التي يتلَهَّى بها السُّفَهاء عند من يَزْعمون من الدَّجاجلة إحضار الأرواح، بل لاستخدموها في إعادة ملايين الشَّباب الذين طحنَتْهم تلك الحروب الظَّالِمَة الباغية، ورَدُّوهم إلى ميادين القتال، وهم إلى ذلك مُحتاجون أشدَّ الحاجة، بل لو عرفوا الرُّوح وسِرَّ حياة النباتات والزَّرع لنَفَخوها فيما تركت الحَرْب من بلادهم صعيدًا جرُزًا وخرابًا بلقعًا، وكان مِن الله سَوْطُ عذاب عليهم بذلك الجوع القاتل والدَّمار الْمُهْلِك، لكنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا من كل ذلك، بينما هم في أشدِّ الحيرة والارتباك أمام هذه الضَّائقات.