وقوله:"مِنْ قَبْلُ"؛ أيْ: مِن قبْلِ خَلْقِ الإنسان، كما أنَّ السموات والأرض وما فيهما خُلقتا من قبل خلْق الإنْسان:"هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا في الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً" [البقرة: 29 - 30] ، وذلك من باب تَهْيئة الْمَنْزل وإعداده بكلِّ الأدوات والأسباب التي تحتاج إليها حياةُ مَن سيَنْزل به، فالملائكة والجنُّ من لوازم حياة الإنْسان في هذه الحياة الدُّنيا؛ لأنَّها، كغَيْرها مِمَّا سخَّره الله له، من أسباب ابتلائه وامتحانه، فمَن عرف حكمة الله ونعمته فيها، فأحْسَنَ الانتفاع بها ووضَعَها في موضعها، فاز في الامتحان بالنَّجاح والفلاح، ومن أساء فَهْمَها والانتفاعَ بِها، فوضَعَها في غير موضِعها، خَسِر الدُّنيا والآخرة.
و"نَارِ السَّمُومِ": السّمُّ - بفتح السِّين وضَمِّها - كلُّ ثقْب ضيِّق، كخَرْق الإبرة، وثقب الأنف، وجَمْعُه: سُموم - بضمِّ السِّين - وقد سَمَّه؛ أيْ: دخل فيه، ومنه السامَّة: وهم الخاصَّة الذين يتدخَّلون في بواطن الأمر، والسمُّ القاتل: مصدر في معنى الفاعل؛ لأنَّه بِلُطْفه في التأثير على البدن يَدْخل بواطن البدن، ويتخلَّل مسامَّه ومَجارِيَه الضيِّقة، والسَّمُوم: الرِّيح الحارَّة التي تؤثِّر تأثير السم، فتتخلَّل مسامَّ الجسم ومجارِيَه الضيقة.
وقال الله:"وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ" [الرحمن: 15] فالمارج: الْمُختلط؛ أيْ: مِن لَهَبٍ مُختلط، فهم كذلك من أخلاط من النار، كما أنَّ الإنْسان من أمشاج من الأرض، وهؤلاء وأولئك بعضهم لبعض فتنة وبلاء، وكان ربُّك خبيرًا بصيرًا.