فمن خلق هو الذي يحدد الغاية ؛ لأن هذه الغاية توجد عنده أولاً ليخلق ، وتتجلى الدقة في قول القرآن على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام ، فلم يقل: الذي خلقني يهديني ، بل قال: {الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} مما يدل على أن هذه القضية ستخالَف ، وبعد أن يخلق الإنسان سيقوم بعض الناس حماية لمصالحهم بوضع طريق أخرى تخالف الغاية ؛ فتوصل إلى الضلال .
أما الحق سبحانه فقد أنزل القرآن فيه الهداية الحقة ، فالذي خلق هو الذي يقنن ، ولذلك يذكر القرآن على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام: {والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} [الشعراء: 79] .
وبهذا القول وصل سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى أن الذي رزق الآباء قدرة استنباط الرزق مطعماً ومشرباً هو الله سبحانه .
وذكر القرآن على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام: {والذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} [الشعراء: 81] .
فالإماتة والإحياء هما من الحق سبحانه ، فلا أحد يسأل عمن يملك الإماتة والإحياء ، أما عن شفاء المرض فقال: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] .
فأنت قد تذهب إلى الطبيب وتظن أنه هو الذي يشفيك ؛ بل هو يعالج ، ولكن الله هو الذي يشفي .
وهكذا نعلم أن قول سيدنا إبراهيم عليه السلام: {الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 78] .
هو كلام منطقي ؛ لأن خالق الشيء هو الذي يهدي إلى الغاية من الشيء ؛ فالغاية أولاً ، ثم الخلق ، ثم توضيح الطريق الموصل إلى تلك الغاية ، فإذا خولف في شيء من ذلك فلا صلاح لكون أبداً .
وتجد في القرآن على لسان سيدنا موسى عليه السلام: {قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50] .
فما دام الحق سبحانه قد خلق فهو يهدي إلى السبيل الموصل إلى الغاية ، ويقول القرآن أيضاً: {سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى * الذي خَلَقَ فسوى * والذي قَدَّرَ فهدى} [الأعلى: 13] .