وهكذا يتأكد لنا أنه ما دامت هناك غاية ، فلا بد من وجود طريق يهدينا إليه من خَلَقَنَا .
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: {قُلِ الله يَهْدِي لِلْحَقِّ} [يونس: 35] لأن سبحانه هو الذي خلق ؛ ولذلك فمن المنطقي أن يأتي بعد ذلك التساؤل: {أَفَمَن يهدي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يهدي إِلاَّ أَن يهدى} [يونس: 35] ؟
وسبب وجود اللام في قوله: {يهدي إِلَى الحق} هو النظرة إلى الغاية ، وسبب وجود: {إِلَى الحق} هو لفت الانتباه إلى أن الوصول إلى الغاية يقتضي طريقاً ، فأراد الحق سبحانه في آية واحدة أن يجمع التعبيرين معاً .
ونحن نعلم أن هذه الآية قد نزلت في الذين اتخذوا لله شركاء ، فهم يعترفون بالله تعالى ولكنهم يشركون به غيره ، فالله سبحانه وتعالى تفرَّد بالألوهية بربويته للخلق ؛ لأنه خلق من عَدَمٍ ، وزرق من عُدْمٍ ، وخَلَق لنا وسائل العلم ودبَّر لنا الأمر ، وأخرج الحي من الميت ، وأخرج الميت من الحي ، وهدى للحق .
فإين إذن هؤلاء الشركاء الذين اتخذتموهم مع الله تعالى؟ وهل صنع واحد منهم أو كُلُّهم مجتمعين شيئاً واحداً من تلك الأشياء؟
لذلك قال سبحانه: {هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق} [يونس: 35]
إذن: فالذي يهدي هو الذي خَلَق ، وهؤلاء الذين أشركوا اعترفوا بالله خالقاً بشهاداتهم حين قال الحق سبحانه: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله} [الزخرف: 87] .
إذن: فالذين أشركوا قد ارتكبوا الإثم العظيم ، وهؤلاء الشركاء إما أن يكونوا من الملائكة ، أو من الأنبياء والرسل الذين فُتن بهم بعض الناس ، وهناك من اتخذ وسائط أخرى مثل: الشمس والقَمر والنجوم ؛ وهذه أشياء عُلوية ، وبعض الناس اتخذوا وسائط سفلية كالأشجار والأحجار ، فهل أي شيء من كل ذلك يهدي إلى الحق؟ وما منهج أي منهم إذن؟ وكيف بلَّغوكم به؟