إذن: فنحن بأهوائنا التي تسيطر على غرائزنا نوقع أنفسنا فيما يضرنا ، ما لم نحرس أنفسنا بمنهج الله سبحانه وتعالى . ونجد في مثال الهدهد صفاءً عقدياً في التوحيد كأصفى ما يكون المتصوِّفة ، ويأتي بما يهمه {أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ الذي يُخْرِجُ الخبء فِي السماوات والأرض} لأن الخبء هو رزق الهدهد ، فهو لا يأكل من الشيء الظاهر على سطح الأرض ، بل يضرب بمنقاره الأرض ؛ ليأتي لنفسه بما يطعمه .
ويعطينا الحق سبحانه مثلاً آخر بالنملة التي قالت: {يا أَيُّهَا النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [النمل: 18] .
وهذه دقة عدالة من هذه النملة ، فإنها لم تقل: إن سليمان وجنوده سيحطمون أخواتها من النمل ظلماً لهم ، بل قالت: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} لأنكم لا تظهرون تحت أرجلهم .
إذن: كل كائن في الوجود له حياة تناسبه ، ولكن الآفة أننا نريد أن نتصور الحياة في كل كائن ، كتصورها في الكائن الأعلى وهو الإنسان .
ولا بد لنا أن نعلم أن النبات له حياة تناسبه ، والحيوان له حياة تناسبه ، والجماد له حياة تناسبه ، وكل شيء في الحياة له لون من الحياة المناسبة له .
وقد أوضحنا من قبل أن الحق سبحانه قد قال: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42] .
والهلاك مقابل للحياة ، والحياة مقابلة للموت ، والهلاك يساوي الموت . والحق سبحانه يصور الحالة يوم القيامة فيقول: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88] .
إذن: فالجماد هالك ، ولكنه يتمتع بلون من الحياة لا نعرفه ، وكذلك كل كائن له حياة تناسبه ، والآفة أن الإنسان يريد أن يعرِّف الحياة التي في الجماد كالحياة في الإنسان .