وانظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله الحق: {حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً} [يونس: 24] .
وقد جاء هذا القول من قبل أن يتقدم العلم ويثبت أن الأرض تشبه الكرة ، وأنها تدور ، وأن كل ليل يقابله نهار ، وكذلك جاء قول الحق سبحانه: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى} [الأعراف: 9798] .
إذن: فأمر الله سبحانه يتحقق حين يشاء ، وهو أمر واحد عند من يكونون في ضحى أو في ليل .
ثم يقول الحق سبحانه: {فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس} [يونس: 24] .
أي: كأنها لم يكن لها وجود .
ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {كذلك نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] .
فإذا كانت الدنيا كلها مثل عملية الزرع في الأرض الذي ينمو ويزدهر ويزدان ، ثم ينتهي ، ألا يجب أن ننتبه إلى أن كل زخرف إلى زوال ؛ وعلينا ألا نفتتن بزينة الدنيا ومتاعها في شيء ، وأن نحرص على ألا نبغي في الأرض ؛ لأن البغي متاع الحياة الدنيا ، وهي إلى زوال .
ونجد القرآن يأتي بذكر التفصيل للآيات ، ويتبع ذلك بأن هذا التفصيل لقوم"يتفكرون"، أو"يتذكرون"، أو"يعقلون"، أو"يتدبرون".
وكل هذه عمليات تتناول المعلوم الواحد في مراحل متعددة ، فالتعقُّل: هو أن تأتي بالمقدمات ؛ لتستنبط ولترى إلى أي نتائج تصل . والتذكُّر يعني: ألا تنسى وألا تغفل عن الأمر الهام . والتفكُّر: هو أن تُعْمل الفكر . والفارق بين الفكر والعقل هو أن العقل أداة التفكُّر . والتدبُّر: هو ألا تنظر إلى ظواهر الأشياء ، بل إلى المعطيات الخفية في أي أمر .
والحق سبحانه يقول: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن} [النساء: 82] .