وقوله تعالى: {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ، قال ابن عباس: يريد تركوا الشرك فلم يشركوا به من آلهتهم شيئًا، وأخلصوا لله الربوبية والوحدانية، وقالوا: {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ} أي: من هذه الريح العاصف، {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} قال: يريد من الموحدين والطائعين.
23 -قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} ، قال الزجاج: المعنى: فلما أنجاهم بغوا، وذلك أن (إذا) تقع موقع الفعل كقوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ [بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ] إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36] ، [على معنى قنطوا، ونذكر الكلام في هذا عند قوله {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} ] .
{إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ} ، أي: يعملون بالفساد والمعاصي بغير الحق، قال ابن عباس: يريد بالفساد والتكذيب والجرأة على الله، ومعنى البغي: قصد الاستعلاء بالظلم، وأصله من الطلب.
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} يريد: أهل مكة، {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: بغي بعضكم على بعض متاع في الدنيا، وليس مما يقرب إلى الله، وإنما تأتونه لحبكم العاجلة.
قال أبو إسحاق: {مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} تقرأ بالرفع وبالنصب، فالرفع من جهتين: أحدهما: أن يكون {مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} خبرًا لقوله: {بَغْيُكُمْ} ، ويجوز أن يكون خبر الابتداء {عَلَى أَنْفُسِكُمْ} ويكون {مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} رفعا على إضمار (هو) ومعنى الكلام: إن ما تنالونه بهذا الفساد والبغي إنما تتمتعون به في الحياة الدنيا {ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ} ، ومن نصب فعلى المصدر، المعنى: [تمتعون متاع الحياة] الدنيا؛ لأن قوله: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ} يدل على أنهم يتمتعون.