ولو أن جماعة غيرهم قالت مثل هذا القول لكان لهم عذرهم لأنهم ليسوا أهل لغة ، أما هؤلاء فهم قوم أهل دُرْبة على الفصاحة والبلاغة ، وكانوا يعقدون أسواق الشعر والخطابة ، ثم اضطربوا مرة ثالثة ، وحاولوا الطعن في مكانه محمد صلى الله عليه وسلم وهم يُقروّن بعظمة القرآن ؛ فقالوا: {لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] .
والحق سبحانه وتعالى حينما يتعرض لحادثة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مع الكافرين ؛ لا يقتصر في الحدث على ما وقع ، ولكنه يعالج قضية عامة كونية إلى أن تقوم الساعة ، ويجعل الحدث الحاصل في زمنه سبباً فقط ؛ ليعطي عموم الحكم في كل زمان وفي كل مكان . وإلا اقتصر الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد جاء القرآن للناس كافة ، وجاء للزمان عامة ، فلا بد أن تكون القضية المعروضة - أيّ قضية - أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوم عاصروه لها سبب خاص ، ولكن العبرة بعموم الموضوع لا بخصوص السبب .
ويعالج الله سبحانه وتعالى في هذه المسألة الشخصية من هؤلاء الذين قالوا ذلك قضيةً كونيةً ستظل إلى أن تقوم الساعة .
فقد دَعَوْا على أنفسهم: {إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32] .
كما قال قوم عاد لهود: {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} [الأعراف: 70] .
إذن: هم قد دعوا بشرٍّ على أنفسهم .