إذن: فمعرفتك ليست نهائية في تقرير الخير والشر ؛ لذلك دَعِ الإلهَ الأعلى - وهو المأمون عليك - أن يستجيب أو لا يستجيب لما تدعوه وأنت في ظنك أنه الخير ، فالمعرفة العليا هي التي تفرق بين الخير والشر ، وفي المنع - أحياناً - عين العطاء ؛ ولذلك يقول الحق: {وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير وَكَانَ الإنسان عَجُولاً} [الإسراء: 11] .
وقد تلحّ في دعاء لو استجيب لك ؛ لكان شرّاً . والله سبحانه يعلم ما هو الخير لك ، وهو سبحانه يجيب أحياناً بعض خلقه في أشياء كان الإنسان منهم يتمنى أن توجد ، ثم يكتشف الإنسان أنها لم تكن خيراً ، وأحياناً يأتي لك بأشياء كنت تظن أنها شر لك ، فتجد فيها الخير . وهكذا يصحّح لك الحق سبحانه بحكمته تصرفاتك الاختيارية .
وقد قال الكافرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم . {اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32] .
ومن قالوا هذا القول هم: العاص بن وائل السهمي ، والوليد بن المغيرة ، والأسود بن عبد المطلب والأسود بن عبد يهود ، وكانوا قد وصلوا إلى قمة الاضطراب ؛ فهم قد اضطربوا أولاً حين اتهموه بأنه ساحر ، ولم ينتبهوا إلى غباء ما يقولون ؛ لأنه إن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدرة السحر ؛ فلماذا لم يسحرهم هم ليؤمنوا أيضاً؟
واضطربوا مرة ثانية ، وحاولوا أن يقولوا: إن القرآن شعر ، أو له طبيعة الشعر والكلام المسجوع ، والقرآن ليس كذلك .