وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ كَوْنَهُ إِلَهًا لِلْعَالَمِ مُسْتَقِلًّا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ شَرِيكٍ وَلَا مُنَازِعٍ، بَيَّنَ أَمْرَ الْمَبْدَأِ بِقَوْلِهِ: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) وَبَيَّنَ حَالَ الْمَعَادِ بِقَوْلِهِ: (مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ)
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ تَعَالَى وَضَعَ تَدْبِيرَ الْأُمُورِ فِي أَوَّلِ خَلْقِ الْعَالَمِ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ وَأَقْرَبِهَا مِنْ رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ، مَعَ أَنَّهُ مَا كَانَ هُنَاكَ شَفِيعٌ يَشْفَعُ فِي طَلَبِ تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ إِلَهَ الْعَالَمِ نَاظِرٌ لِعِبَادِهِ مُحْسِنٌ إِلَيْهِمْ مُرِيدٌ لِلْخَيْرِ وَالرَّأْفَةِ بِهِمْ، وَلَا حَاجَةَ فِي كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ إِلَى حُضُورِ شَفِيعٍ يَشْفَعُ فِيهِ.
(إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ ...(4)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْقِسْطِ)
وَفِيهِ سُؤَالَانِ.
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقِسْطَ إِذَا كَانَ مُفَسَّرًا بِالْعَدْلِ، فَالْعَدْلُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لَا زَائِدًا وَلَا نَاقِصًا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَزِيدُهُمْ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّونَهُ بِأَعْمَالِهِمْ، وَلَا يُعْطِيهِمْ شَيْئًا عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ ابْتِدَاءً؟
وَالْجَوَابُ: عِنْدَنَا أَنَّ الثَّوَابَ أَيْضًا مَحْضُ التَّفَضُّلِ.
وَأَيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يُسَاعِدَ عَلَى حُصُولِ الِاسْتِحْقَاقِ، إِلَّا أَنَّ لَفْظَ الْقِسْطَ يَدُلُّ عَلَى تَوْفِيَةِ الْأَجْرِ، فَأَمَّا الْمَنْعُ مِنَ الزِّيَادَةِ فَلَفْظُ (الْقِسْطَ) لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَ خَصَّ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقِسْطِ مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى يُجَازِي الْكَافِرِينَ أَيْضًا بِالْقِسْطِ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ تَخْصِيصَ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَزِيدِ الْعِنَايَةِ فِي حَقِّهِمْ، وَعَلَى كَوْنِهِمْ مَخْصُوصِينَ بِمَزِيدِ هَذَا الِاحْتِيَاطِ.