ثم سرد على ذلك قوله الحق: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) . إلى قوله جل قوله:
(وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(10) .
(فصل
قال الله جل من قائل:(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا
مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ)فهذا هو الحق فيما تقدم،
وظاهره فيما هَاهُنَا الشمس والقمر والنيرات، وهو الممثل بالمشكاة فيها مصباح،
والزجاجة في هذا هو الهواء في ساحة الجو (يُوقَدُ) المصباح(مِنْ شَجَرَةٍ
مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ)، هذا نص على الأقرب الحق المخلوق به السماوات والأرض، وهو
على الحقيقة لا يطلع من مشرق فينسب إليه، ولا يغرب من مغرب فينسب إليه،
وهذا الحق هو الذي (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) ونار هذا الزيت الفكر
فبالترداد للفكر والتردد يضيء للمتذكر (يَهْدِي) به (اللَّهُ) كما يهدي
جل وتعالى إلى مبصرات الموجودات بالمصباح ونيرات الكواكب والشمس
والقمر.
وعلى التحقيق فإنه قال جل من قائل: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ)
ثم نزل جل وعز بالخطاب إلى الأضواء الظاهرة، ثم قال جل قوله:(يُوقَدُ مِنْ
شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ)ولا توقد الأنوار الظاهرة والباطنة إلا من نوره العلي، وعلى التدريج
(نُورٌ عَلَى نُورٍ) إلى أن ينتهي إليه جل ذكره، فهو الذي هو المسبح عن
الأفول غربًا والطلوع شرقًا، وإلى هذا نزع إبراهيم - عليه السَّلام - بقوله: (لَا أُحِبُّ
الْآفِلِينَ (76) .
(وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(35) .
ثم جعل - جلَّ جلالُه - يستاق ذكر الحق والنور الباطن بقوله جل قوله: (أَلَمْ تَرَ
أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ