غير ذلك، وإن كان قد ظهر فيما هذا سبيله للعيان.
وإنما خذلت العقول من معرفة ما هَاهُنَا لفعله فاستولت من أجل
ذلك عليها البلدة حتى أعمت الأبصار وأغشت البصائر وأصمَّت الأسماع، وذهبت
بالحياة وجلبت الموت بوصف الأكثرين من أجل ذلك كما قال عز قوله: (صُمٌّ
بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) .
(أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21) .
(فصل)
جعل الله جل ذكره ملكوت هذه الدار في تعاقب نفَسي جهنم؛ وفتح رحمته
بالماء إلى غير ذلك من رياح وسحاب وهواء وتراب وثراء وشمس وقمر
ونجوم، فكل الملائكة - عليهم السلام - يعملون في ذلك بأمره وإذنه وعونه، لا
يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، فجميع ثمار الدنيا وزروعها ونباتها وحيوانها
ومنافعها ومضارها وسقائها وريها وسقمها وصحتها وجميع شؤونها من جهة
الأمر فيما جعله في هذا الحق المبثوث مما أظهر منه كالشمس والقمر والنجوم وما
تقدم ذكره وما أبطن منه، فإذا أذن - عز وجل - بالانقراض لهذه والإزالة لتلك جلا الحق
الظاهر فيما هنالك.
وكذلك هو الحق المبين، أي: المبين بهذا الحق الظاهر والباطن؛ وكان
ملكوت ما هنالك عن ذا الحق القريب المشهود المتجلي، وقد كان قبل هذه
الدار محجوبًا بالوسائط والأسباب والغفلة والصرف عنه؛ ليتم كلمته في قوله
جل قوله:"وهؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون".
وقد كان أهل هذه الدار في غربة وغيبة وحجب، ومن هذه المقال قال
القائل:
أنا في الغربة أبكي ... ما بكت عين غريب
لم أكن يوم خروجي ... من بلادي بمصيب
عجبًا لي ولتركي ... وطنًا فيه حبيبي
وهذه الدار مطبوعة مجبولة عن عز رحمته ممتزج بجزء عذاب، غير أنه
كان قد سبق رحمته في هذه، لكن مع ما تقدم ذكره من حال الغيبة والبعد والحجب
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أنبأ عن مسراه:"لما هبطنا السماء الدنيا إذا برهج ودخان"
وأصوات، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الشَّيَاطِين تحرق على قلوب بني آدم
-أو قال -:"عقول بني آدم"- لئلا يتفكروا في ملكوت السماوات، ولولا ذلك لرأوا