الخردلة عليها، فينسيها الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه حتى يبلغها إلى أن
تكون شجرة قائمة لها عروق، وللعروق عروق إلى أقصى ذلك، ولها أصل يجتمع
إليها ما يصعد من أسفلها، وينقسم منها إلى أعلاها، ولذلك الأصل فروع، وللفروع
فروع وللفروع أفنان؛ وللأفنان أفنان وورق وزهر بما يتبع ذلك كله.
أليس من الحق المقطوع بوجوده أن الله جل ذكره قد أسلك في تلك الشجرة
طعم تلك البذرة ويبسها وحرارتها ونفعها وضرها وجميع معانيها التي أوجدها له
ظاهرًا، وقسمه باطنًا أبطنه فيها ليظهره، فكذلك هذا الحق الذي نحن بسبيل تبيانه.
وكذلك يحق على العقل أن يقطع، والإيمان أن يصدق بما أراه الله
جل ذكره حال نظره إلى البذرة يقضي أن تلك الشجرة بعروقها وعروق عروقها إلى
أقصاها، وما أعلى منها بأفنانها وأفنان أفنانها إلى أعلاها، وزهرها بانقسام ما
حصل في البذرة من كل معنى بقوله: أفيعلم بذلك أن الشجرة متوهمة في
تلك البذرة، وعلى هذا تعلم أن الآخرة من الدنيا، ثم يرجع بصره عودًا بعد بدء،
فيعلم ما في الدنيا من الآخرة، ثم يرجع البصر كرة ثانية فيعرف بكل وجود
هو في الدنيا موجودات الآخرة، فإن الدنيا هي مفصولة من الآخرة، وهذه هي
المشاهدة لها.
وعلى هذا فالشجرة بما حوته في هذا المثل هي الدار الوسطى، وإن الدنيا
هي البذرة بما انحشر فيها وما انقسمت إليه، وأول ما خلق الله جل وعز الدنيا
لم يسبق البذور، وإنما خلق الشجر والنبات، ثم عن ذلك أوجد البذر عن الشجر.
كذلك الدنيا منتزعة عن الآخرة، فالدنيا بما هي الشجرة وكل حي فيها بمنزلة
البذور، فإذا ماتوا صاروا بمنزلة الشجر الذي يكون عنها البذر، ثم إذا بعثوا بمنزلة
البذرة.
يقول الله جل من قائل: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ(60) عَلَى
أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) . وليس القول بأن
يكون الميت في الدار الوسطى شجرة، إنما هو مثل مضروب على منزلة الشجرة من
الحبة، ومنزلة الحبة من الشجرة، فافهم.
ثم تعلم بذلك أن معاني أسماء الموجد جل ذكره ونعوت صفاته العلا