وموجودات الدنيا والآخرة وآياتهما فيهما جارية في المخلوقات كجريان الماء
بما احتمله من أوصاف تلك البذرة باطنًا في إنشاء تلك الشجرة؛ إذ بذلك الماء
أنشأها منشئها جل وعز، وبه غذاها، وبه أكملها، وهو الأول فيها والآخر والظاهر
والباطن.
ثم توهم كما أنت في حال اعتبارك هذا إن معاني الأسماء والصفات العلا من
مقنضياتها هي التي قامت بجملة العالم علوه وسفله ظاهره وباطنه مقام البذرة،
فإن الشجرة هي جملة العالم كله قد أجرى الله - جلَّ جلالُه - فيها الحق جريان الماء في
الشجر، ثم أعلم أنه قد بقي عليك أن تفصل بوهمك موجودات الآخرة وتمييزها من
موجودات الدنيا، وتتعرف تلك بما هَاهُنَا معلومًا فيما هنالك بمعلوم ما هاهنا،
فإن الله جل ثناؤه قبض هذه عن تلك، وبسط تلك عن أوصاف هذه، لكن بعد
أن ميز خيرها من شرها، ولذيذها من مكروهها وطيبها من خبيثها، فجعل هذا
في دار النعيم، وجعل هذا في دار الجحيم، نسأل الله الرحيم رحمه، ونعوذ به
من عذابه وغضبه. وعلى معتقد المزيد فيما هنالك الذي عبَّر عنه قوله الحق - جلَّ جلالُه -:
(فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) .
يقول الله - عز من قائل - وقد وصف الماء: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى
أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50) . هذا في النبات وما تحته من عالم الجماد،
وفي الحيوان أظهر، ثم في الإنسان أوضح وأشرح، وفيه بدا ما هو آية على
المعنى بقوله الحق:(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ)إلى قوله جل قوله:(يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ
مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)
المعنى إلى آخره فافهم وتفطن فإنه الحق، فهمنا الله وإياك عنه.
واسمه الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه - بما هو الله حضر فشهد ما غاب، ولا
يغيب عنه غائب حضر ما نأى وما دنا وقرب، فمع السر وأخفى، فهو لا يعزب عنه