وسبحانه يدبر الأمر في السنن المادية التي لا تتناولها يد الإنسان ، فإن أراد الإنسان أن يضبط أمور حياته ، فليأخذ بالمنهج الذي أنزله الله ب"افعل"و"لا تفعل"، وأما المباحات فهي كثيرة ، والإنسان حرٌّ فيها .
وإذا ما سأل سائل: ولماذا اتَّبِع المنهج؟ أقول: إن الحق شاء أن يخلق الإنسان على هيئتين: هيئة إرغامية قهرية ، وهيئة اختيارية ، فأنت أيها الإنسان مقهور في أشياء ، ومُحتار في أشياء أخرى ؛ أنت مقهور في التنفس ، وتتنفس آلياً دون تدخُّل منك ، تتنفس مستيقظاً أو نائماً ، ولو كان التنفس باختيارك ، لاحتجْتَ إلى مَنْ يدير حركة تنفسك وأنت نائم؟
إذن: فمن رحمته سبحانه أن جعلك مقهوراً في مثل هذه المسألة وكذلك نبضات قلبك ، أنت مقهور فيها ، وكذلك أنت مقهور في الحركة الدودية للأمعاء ، وللحركة الانبساطية والانقباضية في المعدة ، وإفراز العصارات الهضمية ، كل ذلك أنت مقهور فيه ، وأنت مُختار في أشياء أخرى ، كأن تشتري من البائع الفلاني ، أو بائعٍ غيره ، وأنت مُخَيِّر في أن تختار أصناف الطعام التي تهواها .
والمباحات في الوجود كثيرة ، وما أكثر ميادين الحرية في الحياة ، وما حدده لك الحق سبحانه وتعالى ب"افعل"و"لا تفعل"، لا يخرج عن أمور محصورة تصونك وتصون مجتمعك ، وكذلك الكون الذي تحيا فيه . وإنْ مارسْتَ أيها الإنسان حريتك في الأمور المباحة على أي لون شئت ، فذلك لا يفسد الكون .
وقد شاء الحق سبحانه - أيضاً - أن تكون مقهوراً في بعض الأمور حتى لا يفسد الكون ، فإن أكلت ما شئت من المأكولات غير المحرمة ؛ فأنت حرٌّ ، وإن سلك كل إنسان كما يهوى في الأمور المباحة ؛ فلا مانع لذلك . وكل البشر يختلفون .
وأراد سبحانه أن يحمي الإنسان والكون ؛ لأنه علم أزلاً أن أهواء البشر تتضارب ، وهو القائل: {وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض ...} [المؤمنون: 71]