وهكذا نطون قد استوفينا فهم قوله الحق: {ثُمَّ استوى عَلَى العرش} بما يليق بذات الله ، فلا نأخذ الاستواء على المعنى الذي يدل على مكان محيّز ؛ لأنه سبحانه مُنَزَّه عن أن يكون متحيزاً في مكان ؛ فذاته سبحانه ليست كالذوات ، وفعله ليس كالأفعال ، وصفاته ليست كالصفات .
ثم يقول بعد ذلك: {يُدَبِّرُ الأمر} أي: أنه يرتب الوجود ترتيباً يجعل كل شيء موضوعاً في مكانه بحكمة .
والحق سبحانه وتعالى له صفة علم ، وصفة إرادة ، وصفة قدرة ، وصفة العلم هي التي تخضع كل شيء في مكانه بحكمة . وصفة الإرادة هي التي تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه . وصفة القدرة تبرز المراد لله .
إذن: فهناك علم ، وهناك إرادة ، وهناك قدرة تبرز المراد على وفق العلم . ومن المنطقي أن يدبر الله كل أمر ؛ لأنه سبحانه هو الذي خلق السماوات وخلق الأرض . واستوت له الأمور بحيث لم يعد هناك خلق جديد إلا ما يبرزه ب"كن". وهو سبحانه بعد أن خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان وسخَّر له السماوات والأرض ؛ لذلك لا بد أن يدبر سبحانه للإنسان أمور مادياته ، وأمور قيمه .
أما أمور الماديات فد ظهرت في خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والماء والهواء . وما في الأرض من عناصر تنبت للإنسان ما يحتاج إليه في قوام حياته ، وهو سبحانه الذي خلق كل ذلك قبل أن يخلق الإنسان ، ثم جاء بالإنسان ليكون الخليفة والسيد .
إذن: فالإنسان هو الذي طرأ على هذه الأمور المادية ، وكان لا بد أن يُنزِلَ الحق سبحانه قيماً يحيا بها الإنسان كخليفة في هذه الأمور المادية .
وهكذا خلق الله القيم المعنوية ، فلا تقولوا: لماذا أرسل رسولاً لا يُحسب في نظر بعض الناس من عظماء أقوامهم ، ولا تقولوا لماذا أرسل محمداً بالتحديد ؛ لأن هذا الإرسال هو من ضمن تدبير الأمور ، و {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ...} [الأنعام: 124]