ولقد ضربنا مثلاً لهذا - ولله المثل الأعلى - برجل يصعد بابنه الرضيع قمة جبل"إفرست"، فلا يقال: وهل يصعد الرضيع قمة الجبل؟ فالصعود منسوب هنا للرجل ، ولقدرة الرجل وقوته ، لا إلى الطفل .
وهكذا - ولله المثل الأعلى - فالزمن والقدرة على الإسراء منسوبان لله سبحانه ، لا إلى محمد صلى الله عليه وسلم .
ونحن في مجالنا البشرى تختلف قدراتنا في قطع المسافات وأزمانها ، فمن يركب عربة يجرُّها حصان فقد يصل من القاهرة إلى الإسكندرية في أيام ، ومَنْ يركب سيارة فقد يصلها في ساعتين . ومَنْ يركب طائرة فقد يصلها في نصف ساعة .
إذن: فكلما زادت القوة تجد الزمن يقل ، فما بالنا بقوة القويِّ ؛ أيكون معها زمن؟ طبعاً لا .
وقال الحق سبحانه لسيدنا نوح: {فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفلك ...} [المؤمنون: 28]
أي: بعد أن ركب معك يا نوح مَنْ آمن من قومك ، واطمأننت على نجاتهم ، ستسير السفينة بإذن ربها .
إذن: فقول الحق عن ذاته: استوى عَلَى العرش .
يعني أن الأمور قد استتبت وتمت . وهكذا نفهم أن كل شيء يتعلق بالحق سبحانه وتعالى نأخذه في إطار: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ...} [الشورى: 11]
وأن كل صفة من صفاته يأتي تمثيلها ليقرب المعنى فقط ولا يعطي حقيقة المعنى ؛ لأنه سبحانه ليس كمثله شيء . وهكذا فسبحانه له استواء يليق بذاته ، لا كاستواء البشر .
والشاعر أبو تمام حين جاء ليمدح الخليفة المعتصم ، نظر إلى الصفات التي اشتهر بها بعض القوم ،"فحاتم"على سبيل المثال كان قمة الكرم . و"عنترة"هو قمة الشجاعة ،"والأحنف بن قيس"قمة الحكمة ، فقال الشاعر أبو تمام عن الخليفة:
إقْدَامُ عَمْروٍ في سَمَاحةِ حاتمٍ ... في حِلْمِ أحْنَفَ في ذكاء أيَاسِ