الثالث: قال الزمخشري: فإن قلت: قد جعل كل واحد منهما مخلوطاً ، فما المخلوط به ؟ قلت: كل واحد منهما بالآخر ، كقولك: خلطت الماء واللبن ، تريد كل واحد منهما بصاحبه ، فيه ما ليس في قولك: خلطت الماء باللبن ، لأنك جعلت الماء مخلوطاً ، واللبن مخلوطاً به ؟ وإذا قلته بالواو جعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطاً بهما ، كأنك قلت: خلطت الماء باللبن بالماء .
وناقشه الناصر في"الإنتصاف"فقال: التحقيق في هذا أنك إذا قلت: خلطت
الماء باللبن ، فالمصرح به في هذا الكلام أن الماء مخلوط ، واللبن مخلوط به ، والمدول عليه لزوماً ، لا تصريحاً ، كون الماء مخلوطاً به ، واللبن مخلوطاً .
وإذا قلت: خلطت الماء واللبن ، فالمصرح به جعل كل واحد منهما مخلوطاً ، وأما ما خلط به كل واحد منهما ، فغير مصرح به ، بل من اللازم أن كل واحد منهما له مخلوط به ، يحتمل أن يكون قرينه أو غيره .
فقول الزمخشري: إن قولك: - خلطت الماء واللبن ، يفيد ما يفيد مع الباء ، وزيادة - ليس كذلك .
فالظاهر في الآية - والله أعلم - أن العدول عن الباء إنما كان لتضمين الخلط معنى العمل ، كأنه قيل: عملوا صالحاً وآخر سيئاً ، ثم انضاف إلى العمل معنى الخلط ، فعبر عنهما معاً به . انتهى .
قال النحرير: يريد الزمخشري أن الواو كالصريح في خلط كلّ بالآخر ، بمنزلة ما إذا قلت: خلطت الماء باللبن ، وخلطت اللبن بالماء ، بخلاف الباء ، فإن مدلولها لفظاً إلا خلط الماء مثلاً باللبن ، وأما خلط اللبن بالماء ، فلو ثبت لم يثبت إلا بطريق الإلتزام ودلالة العقل . انتهى .
وهو متجه ولا حاجة للتضمين المذكور .
ثم قال الزمخشري: ويجوز أن يكون من قولهم: بعت الشاء شاة ودرهماً ، بمعنى شاة بدرهم ، أي: فالواو بمعنى الباء ، ونقل ذلك سيبويه .