والجمهور أن الآية نزلت في شأن المتخلّفين عن غزوة تبوك ، وكانوا ربطوا أنفسهم كما فعل أبو لُبابة ، وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقهم ويرضى عنهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم رَغبوا عنّي وتخلّفوا عن الغزو مع المسلمين"فأنزل الله هذه الآية ؛ فلما نزلت أرسل إليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم.
فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله ، هذه أموالنا التي خلّفتْنا عنك ، فتصدّق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا.
فقال:"ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً"فأنزل الله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} الآية.
قال ابن عباس: كانوا عشرة أنفس منهم أبو لبابة ؛ فأخذ ثلث أموالهم وكانت كفارة الذنوب التي أصابوها.
فكان عملهم السيء التخلف بإجماع من أهل هذه المقالة.
واختلفوا في الصالح ؛ فقال الطبريّ وغيره: الاعتراف والتوبة والندم.
وقيل: عملهم الصالح الذي عملوه أنهم لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وربطوا أنفسهم بسواري المسجد وقالوا: لا نقرب أهلاً ولا ولداً حتى ينزل الله عذرنا.
وقالت فرقة: بل العمل الصالح غزْوُهم فيما سلف من غزو النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وهذه الآية وإن كانت نزلت في أعرابٍ فهي عامّة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة ؛ فهي ترجى.
ذكر الطبري عن حجاج بن أبي زينب قال: سمعت أبا عثمان يقول: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله تعالى: {وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً} .