وعند المفسرين الخطاب ههنا في [جاءكم] يحتمل أن يكون للعرب، [ومن أنفسكم] : مَنْ تعرفونه من نقاوة جنسكم، ويحتمل أن يكون الخطاب للبشر على الإطلاق ومعنى [من أنفسكم] : أنه من خير جنس البشر، وقرأ ابن عباس والزهري (أنْفَسِكم) بفتح الفاء، من النفاسة والمراد من أشرف العرب والناس وأفضلهم، وأنسبهم، وأخيرهم ( [4] ) .
ويؤكّد هذا المقام ويُثبته ما صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنا سيد ولد آدم، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع) ( [5] ) .
وفي كتاب الفضائل من صحيح مسلم من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) ( [6] ) .
وعند الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما يقول صلى الله عليه وسلم: (إنّ الله خلق السموات سبعاً ثم خلق الخلق، فاختار من الخلق بني آدم، ثم اختار من بني آدم العرب، ثم اختار من العرب مضر، ثم اختار من مضر قريشاً، ثم اختار من قريش بني هاشم، ثم اختارني من بني هاشم، فأنا خيارٌ من خيار ٍ) ( [7] ) .
فهو - إذنْ - المصطفى على الناس أجمعين، والمقدّم على البشرية كافة، والمجتبى المختار من بين الأصلاب تخيّراً وانتقاءً، فمحمدٌ صلى الله عليه وسلم هو النبي الذي تنقاه الإله لدينه وكما قالوا:
وأفضل هديٍ هدي سمت محمد ... نبيّ تنقَّاه الإله لدينه
عليه السلام كان في النصح رحمة ... وفي بره للعالمين ولينه
إمام هدىً ينجاب عن وجهه الدجى ... كأنّ الثريا عُلِّقتْ بجبينه
2 -- اصطفاؤه صلى الله عليه وسلم على النبيين:
إنّ أنبياء الله تعالى - صلوات الله وسلامه عليهم - هم المصطفون الأخيار، ثم اصطفى من سائر النبيين أولي العزم من الرسل الكرام وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، ثم اصطفى رب العزة جلّ وعلا محمداً صلى الله عليه وسلم على سائر النبيين والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فكان صلى الله عليه وسلم المصطفى على المصطفين، فهو مصطفى المصطفين وخير الأخيار وسيد المرسلين وإمامهم أجمعين صلى الله عليه وسلم.