قال القرطبي في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ، بعد أن ذكر القول بالتخيير: ما نصه:"قال شيخنا أبو العباس رضي الله عنه: وكأن هذا جمع بين الدليلين ، ووسط بين المذهبين ، وهو الذي فهمه عمر رضي الله عنه قطعاً."
ولذلك قال:"لولا آخر الناس"فلم يخبر بنسخ فعل النَّبي صلى الله عليه وسلم ؛ ولا يتخصيصه بهم.
فإن قيل: لا تعارض بين الأدلة على مذهب الشافعي: لأن ما وقع فيه القسم من خيبر مأخوذ عنوة ، وما لم يقسم منها مأخوذ صلحاً ، والنضير فيء ، وقريظة قسمت.
ولو قال قائل: إنها فيء أيضاً ؛ لنزولهم على حكم النَّبي صلى الله عليه وسلم ، قبل أن يحكم فيهم سعداً ، لكان غير بعيد ؛ ولكن يرده: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم خمسها ، كما قاله مالك ، وغيره.
ومكة مأخوذة صلحاً ؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن ألقى السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن".
هذا ثابت في صحيح مسلم.
فالجواب: أن التحقيق أن مكة فتحت عنوة ، ولذلك أدلة واضحة.
منها: أنه لم ينقل أحد أن النَّبي صلى الله عليه وسلم صالح أهلها زمن الفتح ، ولا جاءه أحد منهم ؛ فصالحه على البلد ؛ وإنما جاءه أبو سفيان ؛ فأعطاه الأمان لمن دخل داره ، أو أغلق بابه ، أو دخل المسجد ، أو ألقى سلاحه.
ولو كانت قد فتحت صلحاً لم يقل"من دخل داره ، أو أغلق بابه ، أو دخل المسجد فهو آمن"فإن الصلح يقتضي الأمان العام.
ومنها: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليها رسوله والمؤمنين ، وإنه أذن لي فيها ساعة من نهار".
وفي لفظ:"إنها لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار".