لا نقول ذلك، ولكنا نرى أن الله تعالى ربط الكفر والعصيان بهلاك الأمم، وربط فتح الأرزاق بالتقوى والإيمان، لنؤمن به، ولكن لَا نغالي مغالاة الفلاسفة. ويجب أن ننبه إلى أن المؤمنين قد يختبرون بالشدائد والمكاره ليتبين صبرهم، ويحق جزاؤهم، ولذا قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) .
فإن ذلك الاختبار للقوى المؤمنة في تقواها، لَا يمنع أن الله تعالى ينزل عليهم خيرهم، والعاقبة للمتقين.
بين الله تعالى أن أهل القرى لو آمنوا لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض، ولكنهم لم يفعلوا، ولذا قال: (وَلَكِن كذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكسِبُونَ) الاستدراك هنا من الوعد بفتح السماء والأرض بالبركات، فهم كذبوا ولم يؤمنوا، ولم يتقوا، فحق عليهم العذاب الشديد في الدنيا والآخرة، ولذا قال تعالت كلماته: (فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) "الفاء"هنا لترتب ما بعدها على
ما قبلها، أي بسبب هذا التكذيب أخذناهم بالرجفة أحيانا، وبإمطار الحجارة أحيانا، وبعذاب من رجز أليم.
وذلك بسبب ما كانوا يكسبون من كفر وجرائم إنسانية، واغترار بالحياة الدنيا.
ومع توالي العبر، ووقوع عذاب الله بالكافرين يفترون بالدنيا، ولا يحسبون حسابا لعذاب الله النازل بهم في الدنيا؛ ولذا قال تعالى:
(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ(97)
"الفاء"عاطفة ترتب ما بعدها على ما قبلها، وهي داخلة على ألف الاستفهام، ولكن قدمت ألف الاستفهام، لأن الاستفهام له الصدارة، والاستفهام إنكاري لإنكار الوقوع، أي ما آمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون.
إن الذين تأخذهم الدنيا بغرورها ينسون بأس الله تعالى، ولو كانوا يذكرونه ما غفلوا، وما نسوا أنه قادر على كل شيء، وفي أي وقت، فليس لهم أن يأمنوا أنهم مستمرون في غيهم من غير أن يبغتهم الله ببأس شديد.