وظاهر ما في سورة نوح أنّهم كانوا لا يعبدون الله لقوله: {أن اعبدوا الله واتَّقُوه} [نوح: 3] وظاهر ما في سورة فُصِّلت أنّهم يعترفون بالله لقولهم: {لو شاء ربّنا لأنزل ملائكة} [فصلت: 14] مع احتمال أنّه خرج مخرج التّسليم الجدلي فإن كانوا مشركين كان أمرُه إياهم بعبادة الله مقيَّداً بمدلول قوله: {ما لكم من إله غيره} أي أفردوه بالعبادة ولا تشركوا معه الأصنام ، وإن كانوا مقتصرين على عبادة الأوثان كان قوله: {ما لكم من إله غيره} تعليلاً للإقبال على عبادة الله ، أي هو الإله لا أوثانُكم.
وجملة: {ما لكم من إله غيره} على الوجه الأوّل بيان للعبادة التي أمَرَهم بها ، أي أفردوه بالعبادة دون غيره ، إذ ليس غيره لكم بالإله.
وعلى الوجه الثّاني يكون استئنافاً بيانياً للأمر بالإقلاع عن عبادة غيره.
وقرأ الجمهور {غيرهُ} بالرّفع على الصّفة (لإله) باعتبار محلّه لأنّه في محلّ رفع إذ هو مبتدأ وإنّما جرّ لدخول حرف الجرّ الزائد ولا يُعتد بجرّه ، وقرأه الكسائي ، وأبو جعفر: بجرّ {غير} على النّعت للّفظ (إلاه) نظراً لحرف الجر الزّائد.
وجملة: {إني أخاف عليكم عذاب يوم} يجوز أن تكون في موقع التّعليل ، كما في"الكشاف": أي لمضمون قوله: {ما لكم من إله غيره} كأنّه قيل: اتركوا عبادة غير الله خوفاً من عذاب يوم عظيم ، وبُني نظم الكلام على خوففِ المتكلّم عليهم ، دلالة على إمحاضه النّصح لهم وحرصه على سلامتهم ، حتّى جعل ما يُضر بهم كأنّه يُضِرّ به ، فهو يخافه كما يخافون على أنفسهم ، وذلك لأنّ قوله هذا كان في مبدأ خطابهم بما أرسل به ، ويحتمل أنّه قاله بعد أن ظَهر منهم التّكذيب: أي إن كنتم لا تخافون عذاباً فإنّي أخافه عليكم ، وهذا من رحمة الرّسل بقومهم.