وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا تَظْهَرُ لَهُ دِقَّةُ أَفْهَامِ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ صَوَّرُوا الشُّبْهَةَ بِنَحْوٍ مِمَّا يُؤْخَذُ مِنْ أَحْدَثِ مَا قَرَّرَهُ عُلَمَاءُ هَذَا الْعَصْرِ فِي عِلْمِ الْكِيمْيَاءِ وَغَيْرِهِ ، وَأَجَابُوا عَنْهَا بِمَا يُغْنِي عَنْ جَوَابٍ آخَرَ ، وَمَا قَالَهُ الْفَارَابِيُّ وَأَمْثَالُهُ فَهُوَ كَأَكْثَرِ فَلْسَفَتِهِمْ فِيمَا وَرَاءَ الطَّبِيعَةِ جَهلًا بِحَقِيقَةِ الْإِنْسَانِ ، وَضَلَالًا فِي تَأْوِيلِ الْأَدْيَانِ ، فَالْإِنْسَانُ رُوحٌ وَجَسَدٌ ، وَكَمَالُهُ بِحُصُولِ لَذَّاتِهِ الرُّوحِيَّةِ وَالْجَسَدِيَّةِ جَمِيعًا وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا ، وَلَوْ كَانَ رُوحَانِيًّا مَحْضًا لَكَانَ مَلَكًا أَوْ شَيْطَانًا وَلَمْ يَكُنْ إِنْسَانًا . وَقَدْ سَبَقَ لَنَا بَيَانُ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ مِرَارًا .
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِالْأَجْزَاءِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْأَجْزَاءِ الْفَضْلِيَّةِ فَهُوَ لَا يَدْفَعُ الشُّبْهَةَ ، وَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ، وَتَفْسِيرُ الْأَجْزَاءِ الْأَصْلِيَّةِ بِالذَّرِّ أَوْ مَا يُشْبِهُ الَّذِي وَرَدَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَهُ فِي صُلْبِ آدَمَ وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ فَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ ، إِذْ لَا يَصِحُّ أَنَّ تَكُونَ هَذِهِ الْجَرَاثِيمُ الْمُشَبَّهَةُ بِالذَّرِّ مِنْ أَجْزَاءِ الْجَسَدِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَعْنِيهَا مَنْ يَقُولُونَ بِحَشْرِ هَذِهِ الْأَجْسَادِ بِأَعْيَانِهَا .