والفرقُ بين أخرى بمعنى آخرة ، وبين أخرى تَأنيث آخر بزنة أفعل للتفضيل ، أن التي للتفضيل لا تدلُّ على الانتهاء ، كما لا يدلُّ عليه مذكَّرها ، ولذلك يُعطف أمثالُها عليها في نوع واحد تَقُولُ: مررت بأمراة وأخرى وأخرى كما تقول: مررت برجل وآخر وآخر ، وهذه تدلُّ على الانتهاء ، كما يدلُّ مذكَّرها ، ولذلك لا يُعطف أمثالُها عليها ، ولأنَّ الأولى تفيد إفادة"غير"، وهذه لا تفيدُ إفادة"غير".
والظَّاهِرُ في هذه الآية الكريمة أنَّهُمَا ليستا للتَّفضيل ، بل لما ذكرنا.
قال ابن عباس ومقاتل:"أخراهم دخولاً في النار لأولاهم دخولاً فيها".
واللام في"لأولاهم"للتّعليل أي: لأجل ، ولا يجوزُ أن تكون التي للتّبليغ كهي في قولك: قلتث لزيد افعل.
قال الزمخشريُّ:"لأنَّ خطابهم مع اللَّه لا معهم"، وقد بسط القول قبله في ذلك الزَّجَّاج فقال:"والمعنى: وقالت أخراهم: يا ربَّنا هؤلاء أضلُّونا ، لأولاهم"فذكر نحوه.
قال شهابُ الدِّينِ: وعلى هذا فاللاَّمُ الثَّانية في قوله:"أولاهم لأخْرَاهُمْ"يجوز أن تكون للتَّبليع ، لأنَّ خطابهم معهم بدليل قوله: {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} [الأعراف: 39]
قوله: {رَبَّنَا هؤلاء أَضَلُّونَا} يعني: أنَّ اأتباع يقولون: إنَّ المتقدّمين أضلّونا ، يعني: أنَّ القادة أضلونا عن الهدى والدين فأتِهِمْ عذاباً ضعفاً من النَّارِ.
قال أبُو عبيدة"الضِّعفُ: مثل الشَّيء مرةً واحدة".
قال الأزْهَريُّ: ما قاله أبو عبيدة هو ما يستعمله النَّاسُ في مجاز كلامهم ، وقد قال الشَّافِعِيُّ قريباً منه فقال في رجل أوصى:"أعطوه ضِعْفَ ما يُصيبُ وَلَدِي"قال:"يَعطَى مثله مرتين".