والصّنف الثّالث: أنعام لا يذكرون اسم الله عليها، أي لا يذكرون اسم الله عند نحرها أو ذبحها، يزعمون أنّ ما أهدي للجنّ أو للأصنام يُذكر عليه اسم مَا قُرّب له، ويزعمون أنّ الله أمر بذلك لتكون خالصَة القربان لما عُيّنت له، فلأجل هذا الزعم قال تعالى: {افتراء عليه} إذ لا يعقل أن ينسب إلى الله تحريمُ ذِكر اسمه على ما يقرّب لغيره لولا أنَّهم يزعمون أنّ ذلك من القربان الّذي يُرضي الله تعالى، لأنَّه لشركائه، كما كانوا يقولون:"لَبَّيْك لا شريكْ لك، إلاّ شريكاً هُوَ لكْ، تَمْلِكُه ومَا مَلكْ".
وعن جماعة من المفسّرين، منهم أبو وائل، الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها كانت لهم سنّة في بعض الأنعام أن لا يُحجّ عليها، فكانت تُركب في كلّ وجه إلاّ الحجّ، وأنَّها المراد بقوله: {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} لأنّ الحجّ لا يخلو من ذكر الله حين الكون على الرّاحلة من تلبية وتكبير، فيكون: {لا يذكرون اسم الله عليها} كناية عن منع الحجّ عليها، والظاهر أنّ هذه هي الحامي والبحيرة والسّائبة، لأنَّهم لمّا جعلوا نفعها للأصنام لم يجيزوا أن تستعمل في غير خدمة الأصنام.
وقوله: {وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها} معطوف على قوله: {وأنعام حرمت ظهورها} وهو عطف صنف على صنف، بقرينة استيفاء أوصاف المعطوف عليه، كما تقدّم في نظيره.
وانتصب: {افتراء عليه} على المفعولية المطلقة ل {قالوا} ، أي قالوا ذلك قولَ افتراء، لأنّ الافتراء بعض أنواع القول، فصحّ أن ينتصب على المفعول المطلق المبين لنوع القول، والافتراء الكذب الّذي لا شبهة لقائله فيه وتقدّم عند قوله تعالى: {فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون} في سورة آل عمران (94) ، وعند قوله: ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب في سورة العقود (103) .
وإنَّما كان قولهم افتراء: لأنَّهم استندوا فيه لشيء ليس وارداً لهم من جانب الله، بل هو من ضلال كبرائهم.
وجملة: سيجزيهم بما كانوا يفترون استئناف بياني، لأنّ الافتراء على الخالق أمر شنيع عند جميع الخلق، فالإخبار به يثير سؤال من يسأل عمّا سيلقونه من جزاء افترائهم، فأجيب بأنّ الله سيجزيهم بما كانوا يفترون.
وقد أبهم الجزاء للتهويل لتذهب النّفوس كلّ مذهب ممكن في أنواع الجزاء على الإثم، والباء بمعنى (عن) ، أو للبدلية والعوض. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 7 صـ}