ثم نقلنا الله - عزّ وجل - إلى موقف قوم عيسى منه، وموقفه بسبب ذلك. فكأنه قال: هذا الذي بشرت به مريم، في شأن ابنها كان، فماذا حدث إذ كان؟ حدث أن قابل اليهود هذا كله بالكفر. فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ فلما علم من اليهود كفرا، علما لا شبهة فيه، كعلم ما يدرك بالحواس، أو فلما استشعر منهم التصميم على الكفر، والاستمرار على الضلال، قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ الأنصار جمع نصير وناصر، أي من ينصرني في الدعوة إلى الله؟ قالَ الْحَوارِيُّونَ: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ الحواري هو صفوة الرجل وخاصته، أي قال له صفوة أصحابه: نحن أعوان دين الله آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي: صدقنا بالله ونطلب شهادتك على إسلامنا، وإنما طلبوا
شهادته بإسلامهم تأكيدا لإيمانهم؛ لأن الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم، وعليهم.
والملاحظ أنهم أعلنوا الإيمان، وطلبوا الشهادة على الإسلام، فدل على أن الإيمان الكامل، والإسلام الكامل شيء واحد.
وبعد أن قالوا هذا لعيسى، قالوا لله مقرين وداعين رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ أي بالإنجيل وما قبله وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ أي عيسى فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ أي: مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم، أو مع الذين يشهدون لك بالوحدانية، أو مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذي بشر به عيسى فعرفوا منه أنهم (أي أمة محمد) شهداء الله على الناس، فطلبوا أن يشاركوهم في هذا الشرف.
والتفسير الأخير مروي بسند جيد عن ابن عباس.
وَمَكَرُوا أي: كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر حتى أرادوا قتله وصلبه وَمَكَرَ اللَّهُ أي: جازاهم على مكرهم؛ بأن رفع عيسى إلى السماء، وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل. ولا يجوز إضافة المكر إلى الله تعالى إلا على معنى الجزاء، لأنه مذموم عند الخلق، وعلى هذا الخداع والاستهزاء وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أي: أقوى المجازين، وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.
فوائد: