، وَحَلَّتِ الْقَسْوَةُ مَحَلَّ الرَّحْمَةِ حَتَّى إِنِ الْفَقِيرَ فِيهَا يَمُوتُ جُوعًا وَلَا يَجِدُ مَنْ يَجُودُ عَلَيْهِ بِمَا يَسُدُّ رَمَقَهُ ، فَمُنِيَتْ مِنْ جَرَّاءِ ذَلِكَ بِمَصَائِبَ أَعْظَمُهَا مَا يُسَمُّونَهُ الْمَسْأَلَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ تُأَلِّبُ الْفَعَلَةَ وَالْعُمَّالَ عَلَى أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ وَاعْتِصَابِهِمُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ لِتَرْكِ الْعَمَلِ وَتَعْطِيلِ الْمَعَامِلِ وَالْمَصَانِعِ ، لِأَنَّ أَصْحَابَهَا لَا يُقَدِّرُونَ عَمَلَهُمْ قَدْرَهُ ، بَلْ يُعْطُونَهُمْ أَقَلَّ مِمَّا يَسْتَحِقُّونَهُ ، وَهُمْ يَتَوَقَّعُونَ مِنْ عَاقِبَةِ ذَلِكَ انْقِلَابًا كَبِيرًا فِي الْعَالَمِ ; وَلِذَلِكَ
قَامَ كَثِيرٌ مِنْ فَلَاسِفَتِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ يَكْتُبُونَ الرَّسَائِلَ وَالْأَسْفَارَ فِي تَلَافِي شَرِّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَقَدْ صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ لَا عِلَاجَ لِهَذَا الدَّاءِ إِلَّا رُجُوعُ النَّاسِ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ الدِّينُ ، وَقَدْ أَلَّفَ تُولِسْتُويِ الْفَيْلَسُوفُ الرُّوسِيُّ كِتَابًا سَمَّاهُ (مَا الْعَمَلُ ؟) وَفِيهِ أُمُورٌ يَضْطَرِبُ لِفَظَاعَتِهَا الْقَارِئُ ، وَقَدْ قَالَ فِي آخِرِهِ: إِنَّ أُورُبَّا نَجَحَتْ فِي تَحْرِيرِ النَّاسِ مِنَ الرِّقِّ وَلَكِنَّهَا غَفَلَتْ عَنْ رَفْعِ نَيْرِ الدِّينَارِ (الْجُنَيْهِ) عَنْ أَعْنَاقِ النَّاسِ الَّذِينَ رُبَّمَا اسْتَعْبَدَهُمُ الْمَالُ يَوْمًا مَا .
قَالَ الْأُسْتَاذُ رَحِمَهُ اللهُ - تَعَالَى -: وَهَذِهِ بِلَادُنَا قَدْ ضَعُفَ فِيهَا التَّعَاطُفُ وَالتَّرَاحُمُ وَقَلَّ