وفيها يبين القرآن الكريم عاقبة المتقين بعد الذي ساق من عبرة أصحاب الجنة ، ونذير للطغتة الظالمين ، فيعمد إلى الأسلوب الاستفهامي الذي يخرج عن أصل معناه اللغوي في طلب الجواب ، إلى الرفض والإنكار: أن يجعل الله المسلمين كالمجرمين. وهو إنكار يحمل من التقرير لمثوبة المتقين المسلمين ومآب العصاة المجرمين ، بقدر ما يحمل من الردع لذوي العقول والبصائر.
والخطاب في الآيات للمشركين المجرمين من عتاة قريش ، إنكاراً لسفه عقولهم وهزؤاً بضلال حكمهم ألهم كتاب يدرسون فيه إن لهم ما يتخيرون من دنياهم
وأحراهم؟ أم لهم أيمان وعهود موثقة على الله سبحانه ، بالغة إلى يوم القيامة ، إن لهم ما يحكمون؟
أي غرور غرهم بالخالق ، أن يبقى عليهم ما آتاهم من نعمة يبتليهم بها فكفروا وجحدوا؟ وأي وهم تورطوا فيه ، أنهم ما أوتوا الجاه والمال والبنين إلا لكونهم أهلاً للإكرام؟
{فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ} .
ثم يتجه الخطاب إلى المصطفى - صلى الله عليه وسلم -:
{سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} .
بضمن أن لهم إلى يوم القيامة ما يحكمون؟
وتمضي كل هذه الأسئلة لا تنتظر جواباً ، وإنما حسب القرآن الكريم أن يواجههم بها على هذا الأسلوب البياني ، غضاً من شأنهم وصدعاً لغرورهم وتحقيراً لكبرهم. وعدم انتظار الجواب عنها ، فيه تعجيز لهم وإفحام ، وفيهه كذلك عبرة بالغة لكل ذي سمع وبصر.
ويبدو لي ، والله أعلم أن الأمر بالإتيان في الآية:
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} .
يتعلق به ظرف الزمان في الآية بعدها:
{يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} .