وقد سبق استقراء الاستعمال القرآني للهدى والضلال ، في تفسير آية الضحى {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} .
وأصلهما في الضلال عن الطريق أو الإهتداء إليع ، حسياً ومعنوياً. ثم نقلا إلى الدلالة الإسلامية على الكفر والإيمان ، وهذا هو معناهما الظاهر في آية القلم ، مع ارتباطهما بأصل المعنى الأول ، بلفظ السبيل ، ترشيحاً للاستعارة على المصطلح البلاغي.
وقال الطبري:"وهذا من معاريض الكلام ، وإنما معنى الكلام: إن ربك يا محمد هو أعلم بك وأنك المهتدي ، وبقومك من كفار قريش وأنهم الضالون عن سبيل الحق".
وهذا أقرب من قول الزمخشري:"هو أعلم بالعقلاء وهم المهتدون ، أو يكون وعيداً ووعداً بجزاء الفريقين".
والآية أمسكت عن ذكر مفضول * أعلم * وهذا يطلقه من قيد المفاضلة بين عالم وأعلم ، دون حاجة إلى تأويل مفضولٍ تقديره عند بعضهم: أعلم منكم ، أو أعلم من سواه...
{فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} .
التكذيب هنا ، بآيات الله ونبوة رسوله عليه الصلاة والسلام.
والإدهان: اللين والتساهل والمداراة, والمداهنة التحايل واللاينة والمداجاة.
وترجع استعمالات المادة وصيغها في الأصل اللغوي إلى الدهن ، يتخذ للتليين والتطرية. والدهان الصبغة. والدهين ، المكان الزلق كأنه دهن بالدهن.
وفي القرآن من هذا المعنى الأول ، آيتان:
{وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} (المؤمنون 20)
{فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} (الرحمن 37)
وبملحظ من التطرية والتلين جاءت الدلالة للإدهان ، في اللين والتساهل ، وشاع استعمال المداهنة في المداجاة والملاطفة عن غش وخداع ، أو عن تساهل وتفريط.
وفي القرآن من هذه الدلالة امجازية ، آيتان:
{أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ} (الواقعة 81)