* واختار ابن القيم أن يكون في افتتاح السور بها ، تنبيه على شرف الحروف وعظم قدرها وجلالتها ، إذ هي مباني كلامه تعالى وكتبه التي أنزلها على رسله ، وأقدر عباده على التكلم بها ، وهذا من أعظم نعمه عليهم كما هو من أعظم آياته.
وهذا الوجه قريب إلى مجال دراستنا البيانية ، وأقرب منه قول من قالوا إن هذه الحروف"ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من مثل حروفهم .... ليدل القوم الذين نزل القرآن بلغتهم أنه بالحروف التي يعرفوها فيكون ذلك تعريفاً لهم ودلالة على عجزهم أن يأتوا بمثله".
وقد عرضت للموضوع بمزيد تفصيل وتدبر ، في كتاب (الإعجاز البياني للقرآن) .
ومجيء الحرف (ن) في (سورة القلم) المكية المبكرة ، فيه لفت واضح إلى سر الحرف في البيان المعجز. وفي السورة جدل من المشركين في نبوة المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وجحد لمعجزته ، وقول بأنها من أساطير الأولين. فكأن هذه تمهيد للمعاجزة التي تتحداهم أن يأتوا بمثله ، واستدراجهم إلى أن تلزمهم الحجة ، بأن يعرضوه على ما عرفوا من أساطير الأولين. وإن كلماته لمن الحروف التي عرفوها في عربيتهم ، لغة الكتاب العربي المبين ....
وقد كانت كلمة الوحي الأولى"اقرأ"لافته إلى آية الله الكبرى ، في الإنسان الذي خلقه سبحانه من علق ، وعلم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم.
وبعدها نزلت سورة القلم مبتدأة بحرف (ن) لافته إلى سر الحرف الذي هو مناط القراءة والعلم والبيان ، تنطق به منفرداً منقطعاً فلا يعطي أي معنى أو دلالة ، بل لا يكاد يخرج عن مجرد صوت ، ثم يأخذ الحرف موضعه من الكلمة في البيان ، فيتجلى سره الأكبر.
{وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} .
قال الإمام الطبري إن القلم معروف"غير أن الذي أقسم به ربنا من الأقلام ، القلم الذي خلقه تعالى فأمره بكتابه ما هو كائن إلى يوم القيامة".