ففي ظل الديكور الإلهي - المشار إليه سابقاً، والممثل في (الواد. البقعة. الشجرة) - تجرى التجربة وتحال الشخصية على تجربة اختبارية حسّية {وأنْ ألقِ عَصاكَ، فلمَّا رَآهَا تَهْتَزّ كأنَّها جَانٌّ ولّى مُدْبِراً ولَمْ يُعَقِّبْ} .
من شأن هذا المقطع السردي أن يفضي إلى إظهار إنسانية البطل وبشريته. فبمجرد رمي العصا التي تتحول إلى جان، يهتز ويتحرك، لأنه لم يقو على مواجهة عصاه، مما جعله يضطرب ويفقد توازنه ويعيد حركته إلى الخلف. لأن التجربة خرجت عن معهودية بشريته.
ولقد كان السرد القصصي القرآني قد أكّد اندفاعية موسى، ومزاجه العصبي.
غير أنه كان يتصرف إزاء هذا الانفعال بأسلوبين:
أ - أسلوب اندفاعي يفضي إلى العنف. كما رأينا في قتله القبطي سابقاً.
ب - أسلوب ارتدادي، ينمّ عن خوف واضطراب. كما حدث له في مشهد تحويل العصا إلى أفعى. حيث"ولى مدبراً ولم يعقب، فذهب حتى أمعن، ورأى أنه قد أعجز الحية، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه. ثم نودي يا موسى أن ارجع حيث كنت. فرجع موسى وهو شديد الخوف".
غير أن هذا المقطع ورد مكرراً في مواطن مختلفة من القرآن، ولكن بصورة تستدعي منا أن نقف قليلاً عندها.
ففي سورة طه جاء قوله عز وجل: {فأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} وصفت بالحية.
وفي سورة الشعراء قوله: {فأَلقى عَصَاهُ فَإِذا هِي ثُعبانٌ مُبينٌ} وصفت بالثعبان.
وفي هذه القصة قوله: {فلمَّا رآهَا تَهْتزُّ كأنَّها جَانٌّ ولِّى مُدْبراً} وصفت بالجان.
وهنا نتساءل عن طبيعة تغير البنية السردية في المجالات الثلاثة. فهل هي حية أم ثعبان أم جان؟
إن العصا - في نهاية الأمر - هي كل هذه المسميات. فهي حية، من جهة كبر حجمها. حيث"قيل ارتفعت قدر ميل".
وهي تغتدي ثعباناً، لأنها تمشي ملولبة. وهي جان في نطّها وخفّة حركتها. ثم تتشكل الصورة النهائية لها. فهي كل هذا.