وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ أي: وضرب الله مثلا مريم ابنة عمران الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها أي: حفظته وصانته، قال ابن كثير: الإحصان هو العفاف والحرية، وقال النسفي: (أي: من الرجال) فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا أي: فنفخ جبريل من روح الله في الفرج، أي: من روح خلقها الله، وأضافها لنفسه تشريفا، وأضاف جل جلاله النفخ لذاته الشريفة لأنه الآمر به وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ قال ابن كثير: أي: بقدره وشرعه وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ أي: من الطائعين. قال النسفي: لما كان القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين (الذكور والإناث) غلب ذكوره على إناثه، قال النسفي عن الفقرة الثانية:(مثل الله عزّ وجل حال الكفار في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين بلا محاباة، ولا ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كان بينهم وبينهم من النسب والمصاهرة، وإن كان المؤمن الذي يتصل به الكافر نبيا بحال امرأة نوح وامرأة لوط لما نافقتا وخانتا الرسولين بإفشاء أسرارهما، فلم يغن الرسولان عنهما - أي: عن المرأتين بحق ما بينهما وبينهما من الزواج - إغناء ما من عذاب الله، وقيل لهما عند موتهما أو يوم القيامة ادخلا النار مع سائر الداخلين
الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء، أو مع داخليها من إخوانكما من قوم نوح وقوم لوط، ومثل حال المؤمنين في أن صلة الكافرين لا تضرهم، ولا تنقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم عند الله بحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله مع كونها زوجة أعدى أعداء الله، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة، والاصطفاء على نساء العالمين مع أن قومها كانوا كفارا. وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة، وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه، وإشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين، وأن لا يتكلا على أنهما زوجا رسول الله صلى الله عليه وسلم).
كلمة في السياق: