ثمة نكتة يجدر تسليط الضوء عليها؛ وهي أن قوله تعالى:"مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ" [الحديد: 27] شيءٌ، وقولَ بعض المعترضين بأن المراد منها"وما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله"شيءٌ آخَر، ومِن ثم ظن هؤلاء البعضُ مخطئًا أن في هذه الآية مدحًا لصنيع هؤلاء المبتدعة، وهذا المعنى لو دل عليه الكلامُ لم يكن في ذلك مدحٌ للرهبانية؛ فإن مَن فعل ما لم يَأمر الله به؛ بل نهاه عنه، مع حُسن مقصده، غايتُه أن يُثاب على قصده لا يُثاب على ما نُهي عنه، ولا على ما ليس بواجب، ولا مستحَبٍّ؛ فكيف والكلامُ لا يدل عليه؟! فإن الله قال:"مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ" [الحديد: 27] ، ولم يقُل: ما فعَلوها إلا ابتغاء رضوان الله، ولا قال: ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله، ولو كان المراد: (ما فعَلوها) ، أو (ما ابتدعوها) إلاابتغاء رضوان الله؛ لكان منصوبًا على المفعولية، ولم يتقدَّم لفظ الفعل ليعمل فيه، ولا نَفى الابتداع؛ بل أثبتَه لهم، وإنما تقدَّم لفظُ الكتابة؛ فعُلم أن القول الذي ذكرناه هو الصواب، وأنه استثناءٌ منقطعٌ، فتقديره: وابتدعوا رهبانيةً ما كتبناها عليهم، لكن كتبنا عليهم ابتغاءَ رضوان الله؛ فإن إرضاء الله واجبٌ مكتوبٌ على الخلق، وذلك يكون بفِعل المأمور وبترك المحظور، لا بفعل ما لم يُؤمر بفعله، وبترك ما لم يُنهَ عن تركه، والرهبانية فيها فعلُ ما لم يؤمر به، وتركُ ما لم ينهَ عنه [11] . انتهى انتهى {قوانين قرآنية، للدكتور/ عمر عيسى عمران} ...
الهوامش:
[1] ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر؛ مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد بن عبدالكريم الشيباني الجزري، ابن الأثير (المتوفى: 606 هـ) ، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى - محمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية - بيروت، 1399 هـ - 1979 م: (2/ 281) .
[2] مفاتيح الغيب ... التفسير الكبير؛ أبو عبدالله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي، الملقَّب بفخر الدين الرازي، خطيب الري (المتوفى: 606 هـ) ، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثالثة - 1420 هـ: (29/ 473 - 474) .
[3] الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن عبدالله بن أبي القاسم بن محمد، ابن تيميَّة الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728 هـ) ، تحقيق: علي بن حسن - عبدالعزيز بن إبراهيم - حمدان بن محمد، دار العاصمة، السعودية، الطبعة الثانية، 1419 هـ / 1999 م: (2/ 188) وما بعدها.
[4] مفاتيح الغيب: (29/ 474) .
[5] الجواب الصحيح: (2/ 192) وما بعدها.
[6] مفاتيح الغيب: (29/ 474) .
[7] ينظر: الجواب الصحيح: (2/ 195) .
[8] ينظر: المصدر نفسه.
[9] صحيح البخاري (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه) ، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبدالله، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، 1422 هـ: (7/ 2 - ح 5063) .
[10] صحيح البخاري: (8/ 178 - ح 6704) .
[11] ينظر: الجواب الصحيح: (2/ 200) .