ثم قوله: (يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) . يحتمل ما ذكر من بخلهم في آية أخرى، فقال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) بخلوا بالإنفاق على المؤمنين، أو بخلوا بالإنفاق على أتباعهم؛ ليبقى الكرم والرياسة عليهم.
وجائز أن يكون ما ذكره بعض أهل التأويل أن ذلك نزل في الرؤساء من أهل الكتاب؛ بخلوا ببيان صفة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - التي كانت في كتبهم، وأمروا أمثالهم وأشكالهم بكتمان ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) ، أي: ومن يعرض عن ذلك فاللَّه هو الغني الحميد؛ الغني عن عبادتكم وعما دعاكم إليه؛ إذ لم يدعكم إلى ما دعاكم لحاجة نفسه؛ إذ هو الغني بذاته، الحميد بفعاله؛ أي: بما علم منكم من الرد لرسالته لا يخرج فعله من أن يكون محمودا، ولا يصير لفعله إلى أعدائه بما صنع غير حميد، واللَّه أعلم.
ثم في قوله: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) وجوه أيضا:
أحدها: أن المصائب ربما تجري على أيدي الناس وتصيبهم منهم، فقال: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) ما جرى ذلك على أيدي الناس؛ لأنه لا يزول منهم؛ فيحملهم ذلك على العداوة والبغضاء، ولكن يرون ذلك مكتوبا عليهم من اللَّه تعالى، وكذلك ما ذكر فيما يؤتيهم من النعم على أيدي الخلق، فلا يزال ذلك منهم؛ فيشغلهم عن القيام بشكر الرب - جل وعلا - ولكن يرونه من فضل اللَّه تعالى ومنه فيشكرونه.