أو يقول: لا تأسوا على ما فاتكم؛ فإن الذي أخذ من النعم لم يكن في الحقيقة لكم، إنما هو لغيركم، ومن كان عنده مال لآخر فأخذه لا يجب أن يحزن على ذلك، ولا تفرحوا بما آتاكم، فإن النعم التي آتاكم يجوز أن تكون لغيركم لا لكم، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) قرئ ممدودًا ومقصورا، فمن مده، رد الفعل إلى اللَّه تعالى، ومن قصره جعل الفعل لذلك الشيء؛ لموافقة قوله: (عَلَى مَا فَاتَكُمْ) ، ولم يقل: أفاتكم.
وقوله: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) ، ولكن يحب ضد ذلك وخلاف المختال المتكبر، فيحب المتواضع الخاضع.
والفخور هو الذي يفتخر بما أنعم اللَّه عليه على الناس، فيحب الذي يشكره على نعمه بالتوسيع على عباده.
وجائز أن يكون هذا كله وصف الكفار؛ كأنه يقول: لا يحب كل كفار؛ كقوله: (صَبَّارٍ شَكُورٍ) ، أي: يحب المؤمن؛ لأن المؤمن يكون صبارا على المصائب، شكورا لنعمائه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ(24) .
جائز أن يكون هذا صلة قوله: (لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) تفسيرا له.
وجائز أن يكون على الابتداء، وهو كقوله: (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ. الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ) ، كأن قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ) مفصول من الأول، وكذلك هذا.