{فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92] أن ما هنا يكون في موقف ، والسؤال في موقف آخر من مواقف القيامة ، وقيل: إنهم لا يسألون هنا سؤال استفهام عن ذنوبهم ؛ لأن الله سبحانه قد أحصى الأعمال ، وحفظها على العباد ، ولكن يسألون سؤال توبيخ وتقريع ، ومثل هذه الآية قوله: {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون} [القصص: 78] قال أبو العالية: المعنى: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.
وقيل: إن عدم السؤال هو عند البعث ، والسؤال هو في موقف الحساب {فَبِأَيّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ} فإن من جملتها هذا الوعيد الشديد ؛ لكثرة ما يترتب عليه من الفوائد.
{يُعْرَفُ المجرمون بسيماهم} هذه الجملة جارية مجرى التعليل لعدم السؤال.
السيما: العلامة.
قال الحسن: سيماهم سواد الوجوه وزرقة الأعين ، كما في قوله: {وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً} [طه: 102] وقال: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106] وقيل: سيماهم ما يعلوهم من الحزن والكآبة {فَيُؤْخَذُ بالنواصى والأقدام} الجار والمجرور في محل رفع على أنه النائب ، والنواصي: شعور مقدم الرؤوس ، والمعنى: أنها تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي ، وتلقيهم الملائكة في النار.
قال الضحاك: يجمع بين ناصيته ، وقدمه في سلسلة من وراء ظهره ، وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النار ، تارة تأخذ بنواصيهم وتجرّهم على وجوههم ، وتارة تأخذ بأقدامهم ، وتجرّهم على رؤوسهم {فَبِأَيّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ} فإن من جملتها هذا الترهيب الشديد ، والوعيد البالغ الذي ترجف له القلوب ، وتضطرب لهوله الأحشاء.