فَأَوَّلُ الْأَمْرِ، أَنْ تَفْنَى قُوَّةُ عِلْمِهِ وَشُعُورِهِ بِالْمَخْلُوقِينَ فِي جَنْبِ عَلَمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ وَحُقُوقِهِ، ثُمَّ يَقْوَى ذَلِكَ حَتَّى يَعُدَّهُمْ كَالْأَمْوَاتِ وَكَالْعَدَمِ، ثُمَّ يَقْوَى ذَلِكَ حَتَّى يَغِيبَ عَنْهُمْ، بِحَيْثُ يُكَلَّمُ وَلَا يَسْمَعُ، وَيُمَرُّ بِهِ وَلَا يَرَى، وَذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ حَالِ السُّكْرِ، وَلَكِنْ لَا تَدُومُ لَهُ هَذِهِ الْحَالُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَعِيشَ عَلَيْهَا.
[دَرَجَاتُ الْفَنَاءِ]
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الْأُولَى فَنَاءُ الْمَعْرِفَةِ فِي الْمَعْرُوفِ]
قَالَ: وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ، الدَّرَجَةُ الْأُولَى: فَنَاءُ الْمَعْرِفَةِ فِي الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ الْفَنَاءُ عِلْمًا، وَفَنَاءُ الْعِيَانِ فِي الْمُعَايَنِ، وَهُوَ الْفَنَاءُ جَحْدًا، وَفَنَاءُ الطَّلَبِ فِي الْوُجُودِ، وَهُوَ الْفَنَاءُ حَقًّا.
هَذَا تَفْصِيلُ مَا أَجْمَلَهُ أَوَّلًا، وَنُبَيِّنُ مَا أَرَادُوا بِالْعِلْمِ، وَالْجَحْدِ، وَالْحَقِّ.
فَفَنَاءُ الْمَعْرِفَةِ فِي الْمَعْرُوفِ: هُوَ غَيْبَةُ الْعَارِفِ بِمَعْرُوفِهِ عَنْ شُعُورِهِ بِمَعْرِفَتِهِ وَمَعَانِيهَا فَيَفْنَى بِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ وَصْفِهِ هُنَا وَمَا قَامَ بِهِ، فَإِنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُهُ وَوَصْفُهُ، فَإِذَا اسْتَغْرَقَ فِي شُهُودِ الْمَعْرُوفِ فَنِيَ عَنْ صِفَةِ نَفْسِهِ وَفِعْلِهَا، وَلَمَّا كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ فَوْقَ الْعِلْمِ وَأَخَصَّ مِنْهُ كَانَ فَنَاءُ الْمَعْرِفَةِ فِي الْمَعْرُوفِ مُسْتَلْزِمًا لِفَنَاءِ الْعِلْمِ فِي الْمَعْرِفَةِ، فَيَفْنَى أَوَّلًا فِي الْمَعْرِفَةِ ثُمَّ تَفْنَى الْمَعْرِفَةُ فِي الْمَعْرُوفِ.
وَأَمَّا فَنَاءُ الْعِيَانِ فِي الْمُعَايَنِ: فَالْعِيَانُ فَوْقَ الْمَعْرِفَةِ، فَإِنَّ الْمَعْرِفَةَ مَرْتَبَةٌ فَوْقَ الْعِلْمِ وَدُونَ الْعِيَانِ، فَإِذَا انْتَقَلَ مِنَ الْمَعْرِفَةِ إِلَى الْعِيَانِ فَنِيَ عِيَانُهُ فِي مُعَايَنِهِ، كَمَا فَنِيَتْ مَعْرِفَتُهُ فِي مَعْرُوفِهِ.