ومع أن المسألة ليست إسلامية وحسب وإنما هي عالمية وجدت وما تزال في مختلف النحل والملل والأفكار والأدوار كما قلنا ومع أن الذين يستسلمون لها من المسلمين جزافا وإطلاقا لا يفعلون ذلك عن فهم لمدى التلقين القرآني والنبوي فيها وإنما يفعلون ذلك عن جهل. ومع أنها ليست مطلقة في الإسلام وأن قابلية الإنسان وقدرته على الكسب والتمييز والاختيار وحثّه على كل ما فيه الخير والصلاح وإيذانه بقابليته وتحميله مَسْئُوليته من المبادئ المحكمة المكررة في القرآن والحديث فإن مأخذهم ذلك على المسلمين في أي مدى كان هو في غير محلّه بل عكسه هو الأصح من حيث إنها تدفع المسلم إلى الإقدام والتضحية على اعتبار أنه لن يصيبه إلّا ما كتب له وإن ما لم يكن مكتوبا عليه لن يصيبه في حال وإن هو مكتوب عليه سيصيبه على أي حال. وإن ما هو مقدّر عليه مغيّب. ليس من شأنه أن يمنعه من الاستجابة للأوامر والتلقينات القرآنية والنبوية في العمل والكسب والضرب في الأرض وبذل كل جهد في الانتفاع بقوى الكون ونواميسه وطلب العلم على مختلف مستوياته واتخاذ الأسباب للتمكن في الأرض ونشر دين الله والتسابق في الخيرات والجهاد في سبيل الله وتقواه والاستمتاع بطيبات الرزق والزينة التي أخرج الله لعباده إلخ ... فإن أصاب خيرا ونجاحا فيكون قد حصل المقصود وإن لم يكن فلا يكون قد خسر شيئا لأن ذلك هو المقدّر أي أنه حتى لو اعتقد كون كل ما يقع منه أو عليه مقدرا فإن هذا يجعله لا يتوانى عن العمل لأن هذا العمل هو قدر أيضا ولعل آيات سورة الحديد هذه: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (23) قد هدفت إلى مثل هذه المعالجة في حالة إخفاق المسلم في ما يباشره من عمل أو التعرّض للمؤذي من الأحداث. وهكذا يصحّ أن يقال إن التلقينات القرآنية والنبوية قد عالجت هذه المعضلة على مختلف صورها معالجة لا يماثلها بل لا يدانيها أية معالجة أخرى من بابها. ولسوف ننّبه في ما يأتي على الشواهد الكثيرة المؤيدة لذلك. والله تعالى أعلم. انتهى انتهى {التفسير الحديث. 2/} ...