وفي الآية [44] إشارة إلى اعتداد الكفار بقوتهم وكثرتهم. وقد ساجلتهم الآية [45] بالتعبير فأنذرتهم بهزيمة جموعهم وتوليتها الأدبار. ثم آذنتهم الآيات التالية بأن أمر الله واقع كلمح البصر حالما تقترن مشيئته بشيء. وذكّرتهم بما كان من إهلاله لأمثالهم وأعلنتهم بأن كل شيء فعلوه محصى مسطور عليهم وتوعدتهم بيوم القيامة كموعد أدهى وأمرّ من غيره حيث يسحبون على وجوههم في النار ويتيقنون من أنهم كانوا في ضلال وجنون ثم انتهت جريا على النظم القرآني إلى تطمين المتقين بالمقابلة بما أعدّه الله لهم عنده من جنات ورضوان.
ويلحظ أن نعت الكفار بالمجرمين قد تكرر في الآيات ومن المحتمل أنه قصد بذلك الزعماء خاصة الذين لم يكتفوا بالكفر والتكذيب بل ارتكبوا إلى جانبهما جريمة اضطهاد المسلمين وفتنتهم مع جريمة الصدّ والتآمر والتعطيل.
وفي الآية [45] بشارة ربانية حققها الله لنبيه والمؤمنين في بدر وما بعد بدر فكانت معجزة قرآنية. ولقد روى البخاري عن ابن عباس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال وهو في قبّة يوم بدر اللهمّ أنشدك عهدك ووعدك. اللهمّ إن تشأ ألا تعبد بعد اليوم.
فأخذ أبو بكر بيده فقال حسبك يا رسول الله ألححت على ربّك وهو يثب في الدرع فخرج وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ
تعليق على الآية إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ والآثار الواردة في موضوع القدر
ويظهر مما أورده المفسرون في سياق جملة إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ أن الجملة قد أخذت على معنى قدر الله السابق لخلقه وتقديره الأحداث من الأزل.
وقد أوردوا في سياقها حديثا عن أبي هريرة قال: «جاء مشركو قريش إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم يخاصمونه في القدر فنزلت يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ومقتضى الحديث أن تكون الآيات نزلت لحدة في هذه المناسبة مع أنها منسجمة نظما ووزنا وموضوعا في السياق العام. وأبو هريرة لم