قال النووي: إن مذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه أن الله تعالى قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه على صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها الله، وأنكرت القدرية هذا، وزعمت أنه سبحانه لم يقدرها، ولم يتقدم علمه بها، وأنها مستأنفة العلم، أي إنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها، وكذبوا على الله سبحانه وتعالى عن أقوالهم الباطلة علواً كبيراً انتهى.
وقد تظاهرت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وأهل العقد والحل من السلف والخلف، على إثبات قدر الله سبحانه وتعالى، وقد قرر ذلك أئمة السنة أحسن تقرير، بدلائله القطعية، السمعية والعقلية، ليس هذا موضع بسطه، والله تعالى أعلم.
(وما أمرنا) لشيء نريد وجوده (إلا واحدة) أي إلا مرة واحدة،
أو فعلة واحدة، وهو الإيجاد بلا معالجة ومعاناة، أو كلمة واحدة، وهي قوله: (كن فيكون) ، فهنا بان الفرق بين الإرادة والقول، فالإرادة قدر والقول قضاء، وقيل: المراد بالأمر القيامة (كلمح بالبصر) في سرعته، واللمح النظر على العجلة والسرعة، وفي الصحاح: لمحه وألمحه إذا أبصره بنظر خفيف، والإسم اللمحة، أي فكما أن لمح أحدكم ببصره لا كلفة عليه فيه، فكذلك الأفعال كلها عندنا، بل أيسر، قال الكلبي: وما أمرنا بمجيئ الساعة في السرعة إلا كطرف البصر.
(ولقد أهلكنا أشياعكم) أي أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم، وقيل أتباعكم وأعوانكم، والقدرة عليكم كالقدرة عليهم، فأحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، ولذلك تسبب عنه قوله: (فهل من مدكر) يتذكر ويتعظ بالمواعظ ويعلم أن ذلك حق فيخاف العقوبة، وأن يحل به ما حل بالأمم السالفة.
(وكل شيء فعلوه في الزبر) أي جميع ما فعلته الأمم من خير أو شر مكتوب في اللوح المحفوظ، وقيل: في كتب الحفظة ودواوينهم