فإن قيل: إلحاق الضمير المؤنث بالفعل قبل ذكر الفاعل جائز وحسن بالاتفاق وإلحاق ضمير الجمع بالفعل قبيح عند أكثرهم فلا يجوزون كذبوا قوم نوح ويجوّزون كذبت فما الفرق؟ أجاب الرازي بأنّ التأنيث إنما جاز قبل الجمع لأن الأنوثة والذكورة للفاعل أمر لا يتبدل ولم تحصل الأنوثة للفاعل بسبب فعله بخلاف الجمع لأنّ الجمع للفاعلين بسبب فعلهم {فكذبوا عبدنا} نوحاً عليه السلام على ماله من العظمة بنسبته إلينا مع تشريفنا إياه بالرسالة {وقالوا} زيادة على التكذيب {مجنون} أي: فهذا الذي يصدر منه من الخوارق أمر من الجنّ.
{وازدجر} وهل هذا من مقولهم أي قالوا: إنه ازدجر أي ازدجرته الجنّ وذهبت بلبه قاله مجاهد ، أو هو من كلام الله تعالى أخبر الله تعالى عنه بأنه انتهر وازدجر بالسب وأنواع الأذى ، وقالوا: {لئن لم تنته يا نوح لتكوننّ من المرجومين} (الشعراء: (.
قال الرازي: وهذا أصح لأنّ المقصود تقوية قلب النبيّ صلى الله عليه وسلم بذكر من تقدّمه وأيضاً يترتب عليه قوله تعالى: {فدعا ربه} وهذا الترتيب في غاية الحسن ، لأنّهم لمّا زجروه وانزجر هو عن دعائهم دعا ربه الذي رباه بالإحسان إليه وبرسالته {أني} أي: بأني {مغلوب} أي: من قومي كلهم بالقوّة والمنعة لا بالحجة وأكده ابلاغاً في الشكاية وإظهار الذل العبودية ؛ لأنّ الله تعالى عالمٌ بسر العبد وجهره فما شرع الدعاء في أصله إلا لإظهار التذلل وكذا الإبلاغ فيه ، وقال ابن عطية: غلبتني نفسي وحملتني على الدعاء عليهم. قال ابن عادل: وهو ضعيف. {فانتصر} أي: أوقع نصرتي عليهم أنت وحدك على أبلغ وجه فانتقم لي منهم.