والثاني: أن كل شيء مبتدأ وخلقناه صفة بشيء، وبقدر خبر أي كل شيء مخلوق لنا فهو يقدر، وعلى هذا يكون حجة للمعتزلة، وأورد الفخر سؤالا: كيف صح جعل كل شيء مبتدأ وهو نكرة؟ وأجاب: بأن فيه معنى العموم، وقالوا: والنصب في الآية أرجح لأن الرفع يوهم أن يكون خلقناه صفة فيتوهم أن مفهومه أن بعض الأشياء غير مخلوق، ولا مقدر، ابن عطية: قال ابن عباس: إني أجد في كتاب الله قوما (يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِم) ، لأنهم كانوا يكذِّبون بالقدر، ويقولون: المرء يخلق أفعاله، وإني لأراهم، فلا أدري لشيء مضى قبلنا، أو شيء بقي، وقال أبو
هريرة: خاصمت قريش رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القدر فنزلت الآية، انتهى، القدرية ليسوا مذكورين في السير، إذ لم يحدث أمرهم إلا بعد ذلك، وعليه قالوا إن بعض القدرية أنكر عليه أبو حنيفة مذهبه، وقال: إنه حادث لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو بدعة، فقال له القدري: إن لم تسكت أسألك عن حديث كذا، فسكت لأن أبا حنيفة لم يكن في حفظ الحديث بتلك المنزلة، وكان بعضهم سأل القاضي أبا بكر الباقلاني عن القدرية، أكانوا في الزمن الأول أو لا، فقال: لم يكونوا فيه، فقال: فإِذًا كل واحد منهم مخالف للإبداع.
قوله تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ ... (50) }
يحتمل أن يريد الثاني أو الكلام، وهو قوله (كُنْ فَيَكُونُ) ، والخلق موقوف على الحياة والقدرة والإرادة عقلا، وأما الكلام فمتوقف عليه عندنا سمعا لقوله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، وواحدة إشارة لعدم الفصل بين الكلام والأمثال لسرعة التكوين.
قوله تعالى: (كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) .