(5) حكمة بالغة فما تغني النذر: هناك من حمل «فما» على النفي فيكون معنى الآية أن النذر والآيات لا تغني إذا لم يزدجر المكذبون بما جاءهم من الأنباء والهدى والحكمة في القرآن. وهناك من حملها على الاستفهام فيكون معنى الآية تقريعيا وتساؤلا عما تغني عنه الآيات والنذر إذا لم يزدجر الناس بما جاءهم في القرآن من الأنباء والهدى والحكمة البالغة. ومعظم المفسرين يجعلون جملة حِكْمَةٌ بالِغَةٌ بدلا بيانيا من مزدجر. والحكمة هنا هي حكمة الله تعالى. وهي كل ما فيه الهدى والحق والإحكام.
في الآيات إيذان إنذاري باقتراب الساعة وقيام القيامة وانشقاق القمر. وتنديد بالكافرين المكذبين الذين إذا رأوا آية من آيات الله أنكروها وقالوا إنها سحر مألوف مستمر. وتقرير للواقع من أمرهم حيث كذبوا الرسول وما جاء به اتباعا للأهواء وإعراضا عن الحق عمدا. وإنذار بأن لكل أمر مستقرا ومصيرا حيث يظهر الحق من الباطل والهدى من الضلال ويستقر. وتقريع لهم على عدم ارعوائهم بينما جاءهم في القرآن من أنباء الأولين ومصائر المكذبين ومن أعلام الهدى والحق ما فيه العبرة التي تحمل على الازدجار والارعواء، وما فيه الحكمة البالغة المقنعة لمن يريد أن يقنع وينجو من المصير الرهيب، فإذا هم لم يزدجروا بذلك فلا تزجرهم الآيات والنذر.
وتعبير اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ في معنى توكيد اقترابها. واستعملت صيغة الماضي على سبيل التوكيد، وقد تكرر ذلك في القرآن مثل ما جاء في آية سورة النحل هذه:
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) وفي آية سورة الأنبياء هذه اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) .
تعليق على انشقاق القمر
أما انشقاق القمر المذكور بصيغة الماضي فقد قيل فيه قولان: أحدهما وقوع الانشقاق فعلا كمعجزة أظهرها الله عزّ وجلّ على يد النبي صلّى الله عليه وسلّم إجابة لتحدي الكفار، وثانيهما توكيد وقوع الانشقاق عند قيام الساعة كعلامة من علاماتها أو أثر من آثارها.