ويجوز أن يكون المحذوف نوحاً أول مجيئه إليهم ، فكذبوه تكذيباً يعقبه تكذيب.
كلما مضى منهم قرن مكذب ، تبعه قرن مكذب.
وفي لفظ عبدنا تشريف وخصوصية بالعبودية ، كقوله تعالى: {وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان} {سبحان الذي أسرى بعبده} {وقالوا مجنون} : أي هو مجنون.
لما رأوا الآيات الدالة على صدقه قالوا: هو مصاب الجن ، لم يقنعوا بتكذيبه حتى نسبوه إلى الجنون ، أي يقول ما لا يقبله عاقل ، وذلك مبالغة في تكذيبهم.
{وازدجر فدعا ربه أني مغلوب} ، الظاهر أن قوله: {وازدجر} من أخبار الله تعالى ، أي انتهروه وزجروه بالسبب والتخويف ، قاله ابن زيد وقرأ: {لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين} .
قيل: والمعنى أنهم فعلوا به ما يوجب الانزجار من دعائهم حتى ترك دعوتهم إلى الإيمان وعدل إلى الدعاء عليهم.
وقال مجاهد: وازدجر من تمام قولهم ، أي قالوا وازدجر: أي استطير جنوناً ، أي ازدجرته الجن وذهبت بلبه وتخبطته.
وقرأ ابن إسحاق وعيسى والأعمش وزيد بن عليّ ، ورويت عن عاصم: إني بكسر الهمزة ، على إضمار القول على مذهب البصريين ، أو على إجراء الدعاء مجرى القول على مذهب الكوفيين.
وقرأ الجمهور: بفتحها ، أي بأني مغلوب ، أي غلبني قومي ، فلم يسمعوا مني ، ويئست من إجابتهم لي.
{فانتصر} : أي فانتقم بعذاب تبعثه عليهم.
وإنما دعا عليهم بعد ما يئس منهم وتفاقم أمرهم ، وكان الواحد من قومه يخنقه إلى أن يخر مغشياً عليه ، وقد كان يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ، ومتعلق {فانتصر} محذوف.
وقيل: التقدير فانتصر لي منهم بأن تهلكهم.
وقيل: فانتصر لنفسك ، إذ كذبوا رسولك فوقعت الإجابة.
وللمتصوفة قول في {مغلوب فانتصر} حكاه ابن عطية ، يوقف عليه في كتابه.
{ففتحنا} : بيان أن الله تعالى انتصر منهم وانتقم.
قيل: ومن العجب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين ، فأهلكهم الله تعالى بمطلوبهم.