فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 427291 من 466147

وهذه غامضة من غوامض الآداب اختص بها رسول الله، أخبر الله تعالى عن اعتدال قلبه المقدس في الإعراض والإقبال، أعرض عما سوى الله وتوجه إلى الله، وترك وراء ظهره الأرضين والدار العاجلة بحظوظها والسماوات والدار الآخرة بحظوظها، فما التفت إلى ما أعرض عنه ولا لحقه الأسف على الغائب في إعراضه، قال الله تعالى: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ} (الحديد: الآية 23) فهذا الخطاب للعموم و {مَا زَاغَ الْبَصَرُ} إخبار عن حال النبي عليه السلام بوصف خاص من معنى ما خاطب به العموم فكان: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ} حاله في طرف الإعراض وفي طرف الإقبال تلقى ما ورد عليه في مقام قاب قوسين بالروح والقلب؛ ثم فرّ من الله تعالى حياء منه وهيبة وإجلالاً، وطوى نفسه بفراره في مطاوي انكساره وافتقاره، لكيلا تنبسط النفس فتطغى؛ فإن الطغيان عند الاستغناء وصف النفس. قال الله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} (العلق: الآيتان 6، 7) والنفس عند المواهب الواردة على الروح والقلب تسترق السمع، ومتى نالت قسطاً من المنح استغنت وطغت والطغيان يظهر منه فرط البسط، والإفراط في البسط يسد باب المزيد وطغيان النفس لضيق وعائها عن المواهب؛ فموسى عليه السلام صح له في الحضرة أحد طرفي {مَا زَاغَ الْبَصَرُ} وما التفت إلى ما فاته {وَمَا طَغَى} متأسفاً لحسن أدبه، ولكن امتلأ من المنح، واسترقت النفس السمع وتطلعت إلى القسط والحظ؛ فلما حظيت النفس استغنت وطفح عليها ما وصل إليها، وضاق نطاقها فتجاوز الحد من فرط البسط وقال: {أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} (الأعراف: الآية 143) فمنع ولم يطلق في قضاء المزيد، وظهر الفرق بين الحبيب والكليم عليهما السلام، وهذه دقيقة لأرباب القرب والأحوال السنية، فكل قبض يوجب عقوبة لأن كل قبض سد في وجه باب الفتوح، والعقوبة بالقبض أوجبت الإفراط في البسط، ولو حصل الاعتدال في البسط ما وجبت العقوبة بالقبض، والاعتدال في البسط بإيقاف النازل من المنح على الروح والقلب، والإيقاف على الروح والقلب بما ذكرناه من حال النبي عليه السلام من تغييب النفس في مطاوي الانكسار، فذلك الفرار من الله إلى الله وهو غاية الأدب حظي به رسول الله عليه الصلاة والسلام فما قوبل بالقبض، فدام مزيده وكان قاب قوسين أو أدنى، ويشاكل الشرح الذي شرحناه قول أبي العباس بن عطاء في قوله تعالى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت