الوحي بالعربية قد يكون إلهاماً مثل الوحي لأم موسى بإلقاءه في اليم، والوحي للنحل، ولشياطين الإنس والجنّ) فأراد سبحانه أن يقطع أي فكرة فقال (علّمه شديد القوى) بمعنى أنه ليس إلهاماً ولكنه وحي علّمه إياه شديد القوى (وعلّمك ما لم تعلم) نسب العلم إلى الله سبحانه أنه هو المُعلّم. وفي ذكر الوحي يجب ذكر المسؤول عن إيصال الوحي وهو جبريل عليه السلام، فالله تعالى هو المُعلّم الأول عندما ذكر أن كلامه وحي كان من الداعي أن يذكر من علّمه وأوصل العلم إليه. وفعل علّمه تفيد المداومة والتكثير على خلاف أُعلّمه. كل الآيات السابقة مبنية على عدم ذكر اسم الفاعل (ما ضل صاحبكم، ما ينطق، علمه شديد القوى) وذكر وصفين (شديد القوى وذو مِرّة) والمِرّة قد تأتي بمعنى العقل والإحكام والحصانة والإستحكام وتأتي بمعنى القوة أيضاً فلماذا اختار سبحانه هذين الوصفين (شديد القوى وذو مِرّة) ؟ هاتان الصفتان فيهما إشارة أن الخروج إلى أقطار السماوات يحتاج إلى أمرين هما القوة والعلم والرسول ? في رحلته في أقطار السماوات يحتاج إلى قوة شديدة وإلى إحكام وعقل وهنا إشارة إلى تمكّن جبريل ? من حفظ الرسول ? في رحلته فكان قوياً في حفظ الرسول ? ومحكماً في حفظ الوحي وكل حفظ يحتاج إلى قوة وعقل وإحكام. وهذه الرحلة (المعراج) في أقطار السماوات والأرض أما في سورة الرحمن (إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسطان) لأن الخروج من أقطار السماوات والأرض فيها تحدّي وتحتاج إلى سلطان القوة والعلم.
(ذو مرة فاستوى(6) وهو بالأفق الأعلى (7) ثم دنا فتدلّى (8 ) ):
تحديد مكان الاستواء. أولا استوى تعني اعتل وأستقام وتهيّأ. ينزل جبريل ? إلى الرسول ? يتدلّى إليه ويصحبه بعد أن تهيّأ لذلك من الأفق الأعلى (وليس العالي) وهذا حتى يليق بمقام النبوة وهذا فيه ثناء على جبريل ? أنه استعدّ للأمر قبل أن يأتي ويقوم بمهمته وفيه تكريم للرسول ? لأن مقام الشخصية يستدعي زيادة التهيأة والإستعداد وحسنه واستعد لذلك من الأفق الأعلى (استعد جبريل ? للأمر قبل أن ينزل وفيه إشارة إلى عِظم المهمة وعِظم الزائر وهو الرسول ?) .
هذه الآية في سورة النجم ذكرت (الأفق الأعلى) وفي آية سورة التكوير ذكر (الأفق المبين) فما الفرق بينهما؟