وجواب هذا القسم {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} [الذاريات: 8] والكلام عن كفار مكة المعاندين لرسول الله الذين اختلفت أقوالهم فيه كأنَّ الحق سبحانه يعطيهم إشارة إلى أن القول يجب أنْ يكون واحداً قصداً لا التواءَ فيه، كما في خَلْق السماء خَلْقاً محكماً لا اختلافَ فيه.
كما قال:
{وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ} [الرحمن: 7 - 9] فالسماء استوت واستقامت لأنها خُلقت بميزان الحق، فإن أردتم أنْ تستقيم أموركم فأقيموها على وفق هذا الميزان، وإلا اختلفتم واختلفتْ أقوالكم.
ومعنى {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 9] أي: يُصرف عنه أي عن رسول الله وعن الإيمان به {مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 9] صرفته الشياطين عن الإيمان، فمن مهمة الشيطان أنْ يصرف أهل الحق عن الحق، وأنْ يُزِّين لهم الباطل
{وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] .
{قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} * {الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ} * {يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ} * {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} * {ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ}
معنى {الْخَرَّاصُونَ} [الذاريات: 10] أي: الكذابون، كما قال في آية أخرى:
{إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 20] لكن كيف يقول {قُتِلَ ..} [الذاريات: 10] وهم أحياء،؟ قالوا: المراد هنا لُعنوا مني وأبعدوا عن رحمتي، والقتْل يُخرجك من نعيم الدنيا، أما اللعن فيُخرجك من رحمة الله في الآخرة ويُدخلك في عذابه والعياذ بالله.
كأنه سبحانه يقول لهم مَنْ تقتلون ومَنْ تلعنون، بل أنتم الذين ستُقتلون وتُبعثون وتُحاسبون، وأنتم الذين ستُلعنون وتُطردون من رحمة الله.
ثم يصفهم سبحانه بقوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ} [الذاريات: 11] يقولون: غمره الماء إذا شمله وأغرقه، فكأن هؤلاء غمرهم الجهل حتى غرقوا فيه فأعماهم، ومعنى {سَاهُونَ} [الذاريات: 11] غافلون لاهون منصرفون عما يُراد منهم.