وقوله: {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} [الذاريات: 4] أي: التي تقسِّم هذه السحب، وتسُوقها إلى مواطن سقوطها، كما قال سبحانه:
{فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ ..} [النور: 43] ثم يأتي جواب هذه الأقسام الأربعة:
{إِنَّمَا تُوعَدُونَ ...} .
{إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} * {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ}
أي: ما تُوعدون من البعث والحساب {لَصَادِقٌ ..} [الذاريات: 5] حق وواقع {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} [الذاريات: 6] الدين يعني يوم الدين، يوم الجزاء على الأعمال {لَوَاقِعٌ} [الذاريات: 6] جَارٍ وحادث لا شكّ فيه.
لكن ما مناسبة القسَم بهذه الأشياء على صدق يوم الدين؟
قالوا: حين تنظر إلى الكون الذي نعيش فيه تجد أن الخالق سبحانه خلق فيه كل شيء وكل المقومات هذه كما هي في كون الله منذ خلقها الله، وهي باقية إلى يوم القيامة، بحيث لا يُعاد في الخَلْق إلا الإنسان.
خذ مثلاً الماء أو الهواء اللذين أقسم الله بهما تجد الماء هو هو منذ خلق اللهُ هذا الكون، لا يزيد ولا ينقص، لأنه يدور في دائرة تعود به إلى الماء الطبيعي الذي خلقه الله.
فأنت مثلاً تشرب في رحلة الحياة عدة أطنان من الماء مثلاً، هل تبقى فيك؟ أبداً إنما تخرج منك على هيئة بول وعرق وخلافه وتعود مرة أخرى إلى مصدرها، وهكذا حتى القدر القليل الذي يتبقى في جسم الإنسان تمتصه الأرض بعد موته ويعود إلى المياة الجوفية.
إذن: هنا إشارة إلى أنك تُولد وتموت وتعود ونأتي بك مرة أخرى، فخذ من الكون المادي حولك دليلاً على إمكانية إعادتك مرة أخرى، خذ المادي المشاهد دليلاً على صدق الغيب الذي أخبرك الله به، إذن: لا تستبعد أن الشيء الذي يفنى يعود مرة أخرى.
ثم يقول سبحانه:
{وَالسَّمَآءِ ذَاتِ ...} .
{وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الْحُبُكِ} * {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ} * {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ}
هذا قَسَم آخر يقسم الحق سبحانه بالسماء {ذَاتِ الْحُبُكِ} [الذاريات: 7] من مادة (حَبَكَ) نقول مثلاً: هذا الشيء محبوك يعني: صُنع بدقة لا زيادةَ فيه ولا نقصان، وهكذا السماء نراها ملساء مستوية ليس فيها شقوق ولا فطور، لأنها خُلقتْ بدقة وإحكام، وقالوا: {ذَاتِ الْحُبُكِ} [الذاريات: 7] أي: الطرق التي تسلكها الكواكب في سَيْرها.