{قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) }
ولما كان هذا القول المختلف خرصا وباطلا قال {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} أي المكذبون
{الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ} وجهالة قد غمرت قلوبهم أي غطتها وغشتها، كغمرة الماء، وغمرة الموت
فالغمرات ما غطاها من جهل أو هوى أو سكر أو غفلة أو حب أو بغض أو خوف أو غم، ونحو ذلك قال تعالى {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا} أي غفلة.
وقيل جهالة.
ثم وصفهم بأنهم ساهون في غمرتهم والسهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه والفرق بينه وبين النسيان أن النسيان الغفلة بعد الذكر والمعرفة والسهو لا يستلزم ذلك.
(فائدة)
وأصل الخرص القول بلا علم بل بالظن والتخمين والقذف بالكلام من غير برهان على صحته ومنه سمي الكاذب خارصا وصاحب الظن والتخمين خارصا.
(فصل)
وأما الغمرات فهي جمع غمرة والغمرة ما يغمر القلب من حب أو سكر أو غفلة قال الله تعالى {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ}
أي في غفلة قد غمرت قلوبهم.
وقال تعالى {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ}
ومنه الماء الغمر الكثير الذي يغطي من دخل فيه ومنه غمرات الموت. أي شدائده.
وكذلك غمرات الحب وهو ما يغطي قلب المحب فيغمره.
ومنه قولهم رجل غمر الرداء كناية عن السخاء، لأنه يغمر العيوب أي يغطيها فلا يظهر مع السخاء عيب
قال:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال
وقال القطامي يصف سفينة نوح
إلى الجودي حتى صار حجرا ... وكان لذلك الغمر انحسار
أي لذلك الماء الذي غمر الأرض ومن عليها.
{يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14) }
ثم قال {يَسْأَلونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ} استبعاداً للوقوع وجحدا.
فأخبر تعالى أن ذلك {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ}
والمشهور في تفسير هذا الحرف أنه بمعنى يحرقون، ولكن لفظة (على) تعطي معنى زائداً على ما ذكروه، ولو كان المراد نفس الحرق لقيل يومهم في النار يفتنون.
ولهذا لما علم هؤلاء ذلك قال كثير منهم (على) بمعنى (في) كما تكون (في) بمعنى (على) .
والظاهر أن فتنتهم على النار.
قيل فتنتهم فيها لهم عند عرضهم عليها ووقوفهم عليها فتنة، وعند دخولهم والتعذيب بها فتنة أشد منها.